مقالات

تزايد رفع الأعلام غير الرسمية في سوريا يثير جدلاً حول الهوية الوطنية ووحدة الدولة

تشهد الساحة السورية في الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة رفع أعلام ورايات غير العلم الوطني الرسمي خلال الاحتجاجات والوقفات الشعبية، سواء المؤيدة أو المعارضة، في مشهد يعكس تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد. هذه الظاهرة، التي باتت تتكرر في أكثر من منطقة، فتحت باباً واسعاً للنقاش حول دلالاتها الحقيقية، ومدى تأثيرها على مفهوم الهوية الوطنية ووحدة الدولة السورية في مرحلة حساسة من تاريخها.

في هذا السياق، برزت مدينة السقيلبية كواحدة من أحدث الأمثلة على هذا التحول، حيث شهدت رفع علم الروم خلال إحدى الفعاليات، في خطوة اعتبرها مراقبون ذات طابع رمزي يعكس انتماءات فئوية أو دينية. وفي مناطق أخرى، لوحظ غياب العلم الوطني لصالح رايات دينية أو فصائلية، حتى في بعض الوقفات الداعمة لجهات حكومية، ما أثار تساؤلات حول الرسائل السياسية والاجتماعية التي تحملها هذه الرموز.

كما انتشرت في عدد من المدن، لا سيما في الساحل السوري، رايات ذات طابع ديني مثل رايات التوحيد، التي رُفعت في الساحات العامة ومداخل المدن، في بعض الأحيان بإشراف جهات محلية، وهو ما زاد من حدة الجدل حول مدى انسجام هذه الممارسات مع فكرة الدولة الوطنية الجامعة.

ويرى خبراء ومراقبون أن هذه الأعلام لا تمثل مجرد تعبيرات بصرية عابرة، بل تعكس انتماءات أعمق قد تكون سياسية أو طائفية أو دينية، وهو ما قد يُفهم على أنه تحدٍ ضمني لفكرة الوحدة الوطنية. وفي هذا الإطار، اعتبر الصحفي والكاتب السياسي درويش خليفة أن رفع أي علم غير العلم السوري يمثل سلوكاً “غير مبرر”، محذراً من خطورة ترسيخ هذه الظاهرة داخل المجتمع، خاصة في ظل تصاعد الاستقطابات القبلية والطائفية.

وأشار خليفة إلى أن المفارقة تكمن في أن بعض الفعاليات التي تُرفع فيها هذه الرايات تُعلن دعمها للسلطة، في حين تتبنى رموزاً غير وطنية، ما يعكس تناقضاً في الخطاب ويضعف من مفهوم الدولة الجامعة، بحسب تعبيره.

من جهة أخرى، يربط الباحث السياسي عمار جلو هذه الظاهرة بجذور أعمق تتعلق بفشل الدولة السورية الحديثة في بناء هوية وطنية جامعة منذ نشأتها، مؤكداً أن هذه الإشكالية لا تقتصر على سوريا، بل تمتد إلى دول مجاورة مثل لبنان والعراق، حيث تعاني هذه الدول من تحديات مشابهة في إدارة التنوع المجتمعي.

ويشير جلو إلى أن الأنظمة السابقة اعتمدت على أدوات قمعية وخطابات قومية لإخفاء هذه الانقسامات، دون معالجتها جذرياً، ما أدى إلى بقائها كامنة في الوعي الجمعي، قبل أن تعود للظهور بشكل أكثر وضوحاً مع تراجع القبضة المركزية للدولة. كما لفت إلى أن تعدد سلطات الأمر الواقع في سوريا، وامتلاك كل منها رموزها الخاصة، ساهم في تعميق حالة التشظي المجتمعي.

وفي مقاربة الحل، تختلف وجهات النظر بين من يدعو إلى ضبط الظاهرة بشكل حازم، ومن يرى ضرورة معالجتها ضمن إطار سياسي واجتماعي أوسع. إذ يؤكد خليفة على أهمية اتخاذ إجراءات تمنع رفع أي رايات غير العلم الوطني، باعتباره رمزاً جامعاً للسوريين، في حين يرى جلو أن الحل يكمن في بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المساواة والشراكة بين جميع المكونات.

أما من الناحية القانونية، فيوضح الخبير في القانون الدولي المعتصم الكيلاني أن رفع الأعلام غير الرسمية لا يُعد بالضرورة جريمة، وقد يندرج ضمن حرية التعبير، إلا أن الإشكالية تظهر عندما تتحول هذه الرموز إلى بديل عن العلم الوطني، خاصة في الفضاءات الرسمية، ما يهدد مفهوم السيادة ووحدة الدولة.

ويؤكد الكيلاني أن هذه الظاهرة تعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب هوية وطنية جامعة قادرة على استيعاب التعدد، ما يدفع الأفراد إلى الاحتماء بهويات فرعية، دينية أو طائفية أو عرقية. ويرى أن الحل لا يمكن أن يكون أمنياً فقط، بل يتطلب مساراً سياسياً ومجتمعياً يشمل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وصياغة دستور عادل، وتعزيز مفهوم المواطنة.

في المحصلة، تبدو ظاهرة تعدد الأعلام في سوريا انعكاساً واضحاً لحالة الانقسام التي يعيشها المجتمع، في ظل غياب مشروع وطني جامع. وبين المخاوف من تعميق الانقسامات، والدعوات إلى احتواء التنوع ضمن إطار وطني، تبقى الحاجة ملحة لخطوات عملية تعيد الاعتبار للهوية السورية الجامعة، وتؤسس لمرحلة جديدة تقوم على التوازن بين الوحدة والتعدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى