أحمد كامل: تركز ملكية الإعلام في سوريا خطر على الحرية والسيادة الوطنية

ينقل الكاتب والمحلل السياسي أحمد كامل رؤية شديدة الوضوح والحسم حول واقع الإعلام السوري بعد عام 2024، معتبراً أن المشكلة لم تعد في مستوى الحرية المتاحة للنشر، بل في مسألة أكثر خطورة تتعلق بملكية وسائل الإعلام وتركيزها في يد جهة واحدة.
بحسب كامل، فإن أي نقاش حول حرية الإعلام في سوريا اليوم لا يمكن فصله عن سؤال: من يملك المنصات؟ ومن يمولها؟ ومن يضع خطوطها التحريرية؟
أولاً: القاعدة الذهبية في الدول المتقدمة… 3٪ حد الخطر
يشدد أحمد كامل على أن الدول والمجتمعات المتقدمة لا تترك مسألة ملكية الإعلام دون ضوابط صارمة.
ويقول إن هناك قاعدة معروفة في الأنظمة الديمقراطية الراسخة، مفادها:
امتلاك جهة واحدة لأكثر من 3٪ من وسائل الإعلام في بلد ما يُعتبر خطراً على الحرية واستقلال الإعلام في ذلك البلد.
الفلسفة وراء هذه القاعدة بسيطة وواضحة:
كلما تركزت الملكية في يد جهة واحدة، تراجع التنوع، وضعفت التعددية، وارتفعت احتمالات توجيه الرأي العام وفق مصالح ضيقة.
فالإعلام، في نظر هذه الدول، ليس مشروعاً تجارياً عادياً، بل مرفقاً عاماً يؤثر في وعي المجتمع ومساره السياسي.
ثانياً: رأس المال السياسي… حين يتحول الإعلام إلى أداة نفوذ
ينتقل أحمد كامل إلى النقطة الثانية، ويعتبرها أكثر حساسية:
امتلاك وسائل الإعلام من قبل رأس مال سياسي – سواء من دولة أو حزب أو شخصية سياسية – يشكل خطراً جسيماً على الحرية واستقلال الإعلام.
ويشرح أن المال السياسي لا يكون محايداً بطبيعته، بل يسعى دائماً إلى تحقيق أهداف سياسية مباشرة أو غير مباشرة، سواء عبر:
- توجيه الخط التحريري.
- اختيار الضيوف والخبراء.
- تحديد أولويات التغطية.
- انتقاء المصطلحات والسرديات.
وبالتالي، يصبح الإعلام أداة في صراع سياسي، لا مساحة عامة للنقاش الحر.
ثالثاً: الخطر الأكبر… الملكية الأجنبية لوسائل الإعلام
النقطة الثالثة، وفق أحمد كامل، هي الأخطر على الإطلاق:
امتلاك جهة أجنبية لوسائل الإعلام في بلد ما يُعد قمة الخطورة، ليس فقط على الحرية الإعلامية، بل على سيادة البلد واستقلاله.
ويؤكد أن الإعلام حين يخضع لتمويل وإدارة أجنبية، يصبح جزءاً من معادلات النفوذ الإقليمي والدولي، وقد يتحول إلى أداة ضغط سياسي أو وسيلة لإعادة تشكيل الوعي العام بما يخدم مصالح خارجية.
رابعاً: الحالة السورية… اجتماع المخاطر الثلاث في شخص واحد
يقول أحمد كامل إن الحالة السورية الحالية تمثل – بحسب وصفه – نموذجاً يجمع المخاطر الثلاث مجتمعة.

ويتهم كامل المفكر والسياسي الفلسطيني عزمي أنطون بشارة بأنه يملك أو يدير نحو 80٪ من وسائل الإعلام السورية، رغم كونه شخصية غير سورية، ويتصرف – وفق تعبيره – بمال سياسي أجنبي.
ويرى أن هذا يعني:
- تجاوز حد 3٪ بكثير.
- ارتباط الملكية برأس مال سياسي.
- كون المالك جهة أجنبية.
ويصف كامل هذا الواقع بأنه “جمع للمخاطر الثلاث بدرجة عالية جداً”.
خامساً: نفوذ يتجاوز نفوذ الدولة نفسها
بحسب أحمد كامل، فإن حجم المؤسسات التي يديرها بشارة – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – يفوق ما تملكه الدولة السورية نفسها من وسائل إعلام.
ويذهب أبعد من ذلك بالقول إن التأثير لا يقتصر على الإعلام الخاص، بل يمتد – بشكل غير مباشر – إلى الإعلام الرسمي، على اعتبار أن بعض المسؤولين في المؤسسات الإعلامية الحكومية عملوا سابقاً ضمن مؤسسات مرتبطة ببشارة.
ويرى كامل أن هذا التشابك المهني يخلق تأثيراً معنوياً وخطاً تحريرياً متقاطعاً، حتى لو لم يكن معلناً رسمياً.
سادساً: إدارة غير شفافة… “تنظيم سري” كما يصفه كامل
من أبرز النقاط التي يركز عليها أحمد كامل مسألة الشفافية.
فهو يؤكد أن:
- لا توجد قوائم رسمية معلنة بأسماء جميع المؤسسات التي يديرها بشارة.
- لا يتم الإفصاح بوضوح عن حجم التمويل أو آلياته.
- لا يعلن العاملون ضمن هذه المؤسسات بشكل صريح عن طبيعة العلاقة التمويلية والإدارية.
ويصف كامل هذا الأسلوب بأنه أقرب إلى “تنظيم غير معلن”، معتبراً أن احترام الشعب السوري يقتضي الكشف الواضح عن الملكيات ومصادر التمويل.
سابعاً: المؤسسات التي يقول كامل إنها ضمن دائرة النفوذ
يعدد أحمد كامل مجموعة من المؤسسات التي يرى أنها تدار أو تمول ضمن هذه المنظومة، مع إقراره بأن هناك مؤسسات أخرى قد تكون ضمن الشبكة ولا يُعلن عنها.
من بين الأسماء التي يذكرها:
- تلفزيون سوريا 1
- تلفزيون سوريا 2
- شركة ميتافورا للإنتاج الفني
- المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة
- مركز حرمون للدراسات المعاصرة
- صالون الكواكبي
- موقع مدن
- موقع وجريدة زمان الوصل
- مكتبة الشبكة العربية للأبحاث والنشر
- شبكة جيرون الإعلامية
- موقع الضفة الثالثة
- مجلة قلمون
كما يشير إلى مؤسسات عربية أوسع تؤثر في المشهد السوري ويعمل فيها عدد كبير من الصحفيين السوريين، مثل:
ويعتبر أن هذا الامتداد الإقليمي يضاعف من حجم التأثير في الرأي العام السوري.
ثامناً: السيطرة على الكتّاب والصحفيين
يقول أحمد كامل إن نحو 80٪ من الكتّاب والصحفيين السوريين يعملون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ضمن مؤسسات مرتبطة بهذه المنظومة.
ويرى أن ذلك يخلق:
- اصطفافاً شبه موحد في الخط التحريري.
- حساسية عالية تجاه انتقاد الجهة المالكة.
- تأثيراً واضحاً في صياغة السردية السياسية داخل سوريا.
تاسعاً: بين الاتهام والجدل العام
لا يخفي أحمد كامل أن هذه الطروحات تثير جدلاً واسعاً، خصوصاً في ظل غياب بيانات رسمية تفصيلية حول الملكيات.
إلا أنه يصرّ على أن القضية ليست شخصية، بل مبدئية، وتتلخص في سؤال واحد:
هل يمكن بناء دولة حديثة بإعلام تتركز ملكيته بهذه الصورة؟
في النهاية معركة السيادة الإعلامية
ختتم أحمد كامل رؤيته بالتأكيد على أن المعركة في سوريا لم تعد عسكرية ولا أمنية فقط، بل أصبحت معركة سردية وإعلامية بامتياز.
ويرى أن حماية الحرية لا تعني ترك المجال لاحتكار جديد، بل تستدعي:
- تشريعات واضحة لتحديد سقف الملكية.
- إلزام المؤسسات بالإفصاح عن مصادر التمويل.
- ضمان التعددية الحقيقية لا الشكلية.
وبينما يقرّ بأن سوريا تعيش مرحلة انتقالية معقدة، يؤكد أن أي مشروع لبناء دولة مستقلة لا يمكن أن يتجاهل مسألة السيادة الإعلامية، لأنها – في النهاية – جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية نفسها.




