مقالات

خارجَ القَفص.. داخلَ الكتاب

أقفُ اليوم بـ عينيّ النظيفتين ،النظيفتين جداً عيونٍ لم تعد ترى العالم من خلال ثقوب الزنازين بل تراه على اتساعه عيون ترى الشام شاماً والكتاب كتاباً.

​كيف لعينٍ اعتادت الغبار أن تبصر هذا النقاء؟ دمشق اليوم تغسل وجهها من أدران الشعارات الجوفاء وتنفض عن كاهلها صوراً لطالما جثمت على صدور الحارات والبيوت.
بين أروقة هذا المعرض لا أمشي على الأرض بل أمشي على ضفاف ذاكرةٍ كانت حتى الأمس القريب حقل ألغام.
أقفُ هنا والكلمات التي كانت مقيدة بالأمس تفكُّ قيودها اليوم لتنهمر في روحي كشلال ضوء.

دمشق التي استيقظت

​يا لإشراق هذا الصباح! دمشق التي خلت من “البعث” ومصطلحاته الخشبية تبدو اليوم كقصيدةٍ بكر لم تُقرأ بعد. إنه ليس مجرد معرض للكتاب بل هو بيان استقلال العقل السوري.
نحن لا نشتري الكتب لنقرأها فحسب نحن نقتنيها لنثبت لأنفسنا أننا ملكنا أخيراً حق السؤال وحق الاختلاف وحق الوجود.

جراحٌ لم تندمل.. ولكنها تزهر

​أتذكر بوجعٍ كيف كانت “الأقلام” التي وُجدت للأدب والمعرفة تتحول بقرارٍ أمني إلى أدوات قتل للكلمة.

أتذكر “الأسر المعرفي” الذي حاصر عقولنا حيث كانت الأفكار تُحجز خلف جدران الرقابة ويُجبر المفكرون على الصمت أو التيه في المنافي.
كان الكتاب سجيناً والكاتب طريداً والكلمة تخشى حتى ظلها.

سيمفونية الملامح المتحررة
​كانت الوجوه في المعرض تحكي قصة الانعتاق:

  • ​دهشة البدايات: رأيتُ شباناً يلمسون الكتب بذهول كأنهم يتأكدون من أن هذه الكلمات المحبوسة والمقيدة قد فكت أسرها حقاً وخرجت من خلف جدران الرقابة.
  • ​دموع الارتياح: لمحتُ شيخاً يمسح دمعةً وهو يرى مجلداتٍ كانت يوماً سبباً في الأسر المعرفي أو النفي، وهي الآن تفترش الضوء بكل كبرياء.
  • ​ابتسامة النصر: وجوه الفنانين والشعراء لم تعد شاحبة بانتظار تقرير أمني بل كانت تفيض بحيوية من استعاد حقه في الاختلاف والنقد دون أن يُجبر على الصمت أو الهرب.
  • أطفالنا: جيل الكلمة لا السوط أكثر ما يسعدني هو رؤية الأطفال وهم يركضون بين الأروقة، هؤلاء الصغار الذين لن يعرفوا أبداً معنى أن يكون القلم أداة قتل، أو أن تتحول الأقلام لخدمة فروع الأمن.
    ​بالنسبة لهم لم يجدوا الأسد في معرض الكتاب إلا حيواناً في دفتر التلوين قابعاً في قسم الكتب الخاص بالأطفال حيوانٌ منسيّ سقطت أسنانه في غياهب التاريخ ولم يعد له في ذاكرتهم سوى حيزٍ صغير بجانب الفيل والزرافة


​لقد رأيتُ في وجوه الناس دمشق التي نحب إنها وجوهٌ استعادت إنسانيتها بعد أن حاول النظام البائد تحويلها إلى مجرد أرقام في طوابير التصفيق.


بين الرفوف تشهد دمشق ولادة نموذج ثقافي لم تعرفه منذ عقود حيث يتصالح الضد مع ضده في فضاء من الأمان الفكري
الكلمة والحرية صارا أخيراً توأمين لا ينفصلان بعد أن كانت الأقلام تُساق قسراً إلى فروع الأمن لتغتال الحلم.

اليوم، ونحن نغادر المعرض، نأخذ معنا أكثر من مجرد كتب نأخذ معنا يقيناً بأننا استعدنا أبصارنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى