مقالات

الحسكة: حين توضع البلاد في “حقيبة” ديبلوماسية

​بين صقيع ميونيخ ولفحة شمس الجزيرة ثمة خيطٌ رفيع من الوجع يُنسج على نولِ الصفقات.
هناك حيث تلمع الرخامات في القاعات الدولية تظهر الوجوه التي تبتسم للكاميرات بينما هنا في أزقة الحسكة وبيوتها التي أكل القلق جدرانها يرتجف السؤال: من باع صمتنا لمن؟.

​الذاكرة المثقوبة برصاص “علايا”

​كيف يغفو الياسمين إذا كان البستاني هو نفسه من سقى الأرض دمعاً خلف الأسوار؟

تعيين المحافظ الجديد بمرسوم من الرئيس أحمد الشرع ليس مجرد حبرٍ جفّ على ورق رسمي بل هو استحضارٌ لكوابيس سجن “علايا”.
حين يُنقل “القيد” من معصم السجين ليصبح “ختماً” في يد السجان السابق تسقط كل الأقنعة.
المسألة ليست في الأسماء بل في الرمزية القاسية فكيف ننتظر من ظلّ السجن أن يبني سقفاً للحرية؟
إنها محاولة لفرض النسيان بقوة المرسوم لكن الذاكرة الشعبية لا تُمحى بقرار إداري والجرح الذي لا يُعالج بالعدل يظلّ ينزف تحت عباءة السلطة.

​فسيفساء الخابور وعزلة اللون الواحد

​الجزيرة السورية ليست لوحةً بيضاء ينتظر الرسامون في الخارج تلوينها. هي تاريخٌ ضاربٌ في العروبة وتراتيل سريانية عتقت صخورها وحضورٌ كرديٌ وجد في هذه الأرض ملاذاً وقاسَمَ أهلها الرغيف والقدر.
لكن المشهد اليوم يحاول اختزال هذا البحر البشري في “قطرة واحدة” وتلخيص هذا التنوع في بندقية وحيدة.

إن صورة ميونيخ التي جمعت مظلوم عبدي وإلهام أحمد بوزير الخارجية أسعد الشيباني، لم تكن صورة لوفاق وطني بل بدت كأنها عقد بيع وشراء لغائبين لم يُستشاروا.
كيف تتحول الأرض التي تتسع للجميع إلى إقطاعية سياسية يتقاسمها القوي مع القوي فوق رؤوس الضعفاء؟

​الغموض.. ذلك الوحش الصامت

​في عتمة التفاهمات بين الدولة وقسد ينمو الغموض كاللبلاب السام. لا نصوص معلنة، لا ضمانات دستورية لا اعتذار عن آلام مضت.
فقط تقارير تتحدث عن حملات دهم وتفتيش في الهواتف واعتقالات تطال الأحياء العربية بصمتٍ مريب.
هل الوحدة الوطنية صفقة تُعقد في الغرف المغلقة؟ أم هي ميثاق غليظ يُكتب بمداد الثقة؟

الاستقرار الذي يحرسه الخوف هو استقرارٌ كاذب والشرعية التي تأتي من مصافحات الفنادق لن تجد طريقها إلى قلوب الناس في المساجد والكنائس والخيام،
ما لم تُغسل بماء المحاسبة والتمثيل الحقيقي.
​صرخة الختام
​إن الحسكة اليوم لا تطلب محافظاً أو مرسوماً بل تطلب كيانها إنها ترفض أن تكون جائزة ترضية في سوق النفوذ.

تحذيرٌ هامس ولكنه عميق: مَن يختبر صبر العشائر والأهالي في تلك الربوع إنما يحاول إطفاء النار بالريح. فالأرض التي صمدت في وجه العواصف لن تقبل أن تلبس ثوباً ضيقاً خُيّط لها في الخارج.

​الحسكة ليست غنيمة إنها الروح.. والروح لا تُباع ولا تُشترى.

مروه ابراهيم

كاتبة في موقع 'شام اليوم' أتحرك في المساحة الفاصلة بين جفاف السياسة وعمق الأدب. أسعى من خلال مقالاتي لتقديم قراءات تحليلية للواقع السوري والعربي مغلفة بلغة أدبية تحترم ذائقة القارئ. أؤمن أن السياسة ترسم حدود عالمنا لكن الأدب هو ما يمنح هذا العالم معناه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى