في اليوم العالمي لحرية الصحافة… صحفيو سوريا بين ذاكرة الدم وبوادر الانفتاح الإعلامي

يشكّل اليوم الثالث من أيار، الذي يصادف اليوم العالمي لحرية الصحافة، مناسبة سنوية لتقييم واقع الحريات الإعلامية حول العالم، إلا أن هذا التاريخ في الحالة السورية يحمل دلالات أعمق، إذ يرتبط بذاكرة مثقلة بالخسائر التي تكبدها الصحفيون خلال سنوات الثورة، حيث تحولت الكلمة الحرة إلى مخاطرة قد تكلّف صاحبها حياته.
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، لم تكن المواجهة مقتصرة على ساحات القتال، بل امتدت إلى ميدان الإعلام، حيث سعى النظام السابق إلى فرض سيطرة كاملة على الرواية، عبر تقييد عمل الصحفيين ومنع وسائل الإعلام الدولية من الوصول، إلى جانب استهداف كل من يحاول نقل صورة مغايرة للواقع.
في ظل هذه الظروف، برزت صحافة بديلة قادها ناشطون وإعلاميون ميدانيون، اعتمدوا أدوات بسيطة لنقل الأحداث، لكنهم واجهوا مخاطر جسيمة.
وتشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى مقتل أكثر من 715 صحفياً وعاملاً في المجال الإعلامي منذ عام 2011، في حصيلة تعكس حجم الانتهاكات التي طالت هذا القطاع.
وتشير هذه الأرقام إلى أن عمليات الاستهداف لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن سياسة ممنهجة هدفت إلى إسكات الأصوات المستقلة، عبر القتل المباشر أو الاعتقال أو الإخفاء القسري.
ورغم تصنيف سوريا لسنوات طويلة كواحدة من أخطر البيئات على العمل الصحفي، لم تتوقف محاولات نقل الحقيقة، حيث لعب ما يُعرف بـ”المواطن الصحفي” دوراً محورياً في توثيق الأحداث اليومية، من التظاهرات إلى المجازر، مروراً بتفاصيل الحياة تحت القصف، ما ساهم في كسر العزلة الإعلامية وإيصال الرواية السورية إلى العالم، كما أسهم في بناء أرشيف بصري وحقوقي مهم.
وتجسد قصص الصحفيين الذين فقدوا حياتهم خلال تلك السنوات حجم التضحيات، إذ قُتل بعضهم أثناء تغطية المعارك، فيما تعرّض آخرون للاغتيال أو قضوا تحت التعذيب. هؤلاء لم يكونوا مجرد ناقلين للأحداث، بل لعبوا دوراً أساسياً في توثيق مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد، وحفظ ذاكرة جماعية حاولت قوى عديدة طمسها.
في المقابل، تشير تقارير حديثة صادرة عن مراسلون بلا حدود إلى تحسن ملحوظ في واقع حرية الصحافة في سوريا، حيث سجلت البلاد تقدماً لافتاً على مؤشر حرية الإعلام، ما يعكس تحولات تدريجية في البيئة الإعلامية، من بينها تراجع القيود الأمنية واتساع هامش التعبير.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات قائمة أمام ترسيخ بيئة إعلامية مستقلة ومستدامة، إذ يتطلب الأمر تعزيز التشريعات الضامنة لحرية التعبير، ودعم المؤسسات الإعلامية، وحماية الصحفيين من أي انتهاكات محتملة.
وفي المحصلة، تعكس التجربة السورية مساراً معقداً انتقل من القمع الشديد إلى بوادر الانفتاح، حيث دفعت الصحافة ثمناً باهظاً في سبيل نقل الحقيقة، لكنها تمكنت في الوقت ذاته من ترسيخ حضورها كأحد أعمدة الوعي المجتمعي. وبين ماضٍ كُتبت فيه الكلمة بالدم، وحاضر يسعى لفتح آفاق أوسع للتعبير، تبقى حرية الصحافة في سوريا اختباراً حقيقياً لمستقبل أكثر انفتاحاً واستقراراً.





