مقالات

إغلاق مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم وأكثرها حساسية من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، عاد الحديث مجدداً عن احتمال إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه، وهو سيناريو يرى خبراء الاقتصاد والطاقة أنه قد يشعل أزمة عالمية تمتد آثارها إلى معظم دول العالم.

ويقع مضيق هرمز بين إيران من الشمال وسلطنة عُمان والإمارات العربية المتحدة من الجنوب، ويربط الخليج العربي ببحر عُمان ومنه إلى المحيط الهندي. ويبلغ عرض المضيق نحو 33 كيلومتراً في أضيق نقطة، إلا أن الممرات الملاحية المستخدمة فعلياً للسفن وناقلات النفط لا تتجاوز بضعة كيلومترات في كل اتجاه، ما يجعله ممراً بحرياً ضيقاً وحساساً للغاية لأي توتر عسكري أو أمني.

ويكتسب المضيق أهميته الاستثنائية من كونه شرياناً رئيسياً لنقل النفط والغاز في العالم. فوفق تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية، يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من إجمالي النفط المتداول عالمياً يومياً، أي ما يقارب بين 17 و20 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته.

كما تمر عبره أيضاً كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، تقدر بنحو 30% من تجارة الغاز المسال في العالم، معظمها من قطر التي تعد أحد أكبر مصدري الغاز عالمياً.

هذا الحجم الضخم من الطاقة التي تعبر المضيق يجعل أي تهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه حدثاً شديد التأثير على الأسواق العالمية. وتشير تقديرات مؤسسات بحثية مثل “سيتي غروب” و“بي سي إي ريسيرش” إلى أن إغلاق المضيق قد يدفع أسعار النفط للارتفاع بشكل فوري إلى مستويات تتراوح بين 125 و150 دولاراً للبرميل، مقارنة بمستويات تدور حالياً حول 70 إلى 75 دولاراً.

ولا يقتصر تأثير هذا الارتفاع على أسواق الطاقة فقط، بل يمتد مباشرة إلى حياة الناس في مختلف دول العالم. فارتفاع أسعار النفط يعني زيادة أسعار الوقود، وبالتالي ارتفاع تكاليف النقل والتصنيع والشحن، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع الغذائية والمنتجات الأساسية.

ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، ترتفع معدلات التضخم في الاقتصادات الكبرى، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى رفع أسعار الفائدة لمحاولة السيطرة على التضخم.

ارتفاع الفائدة بدوره يؤدي عادة إلى صعود قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى، ما يجعل الواردات أكثر تكلفة بالنسبة للعديد من الدول، خاصة تلك التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد. وهكذا تتسلسل التأثيرات الاقتصادية من أزمة في مضيق هرمز إلى ارتفاع في أسعار الوقود، ثم تضخم عالمي، وصولاً إلى زيادة أعباء القروض وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

إضافة إلى الطاقة، يمثل مضيق هرمز ممراً مهماً للتجارة العالمية بشكل عام، إذ يمر عبره جزء كبير من البضائع والسلع والمواد الخام القادمة من دول الخليج والمتجهة إلى الأسواق العالمية. وتشير تقديرات إلى أن نحو 11% من حجم التجارة البحرية العالمية يمر عبر هذه المنطقة، ما يعني أن أي تعطيل لحركة الملاحة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن والتأمين البحري.

وعلى صعيد الأسواق المالية، فإن أي تصعيد يؤدي إلى تعطيل المضيق قد يطلق موجة اضطراب في البورصات العالمية، حيث يميل المستثمرون في مثل هذه الظروف إلى الابتعاد عن الأصول الخطرة والتوجه نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب. وفي المقابل، قد تشهد أسواق الأسهم تراجعاً حاداً وفترات طويلة من التقلب وعدم الاستقرار.

كما أن تداعيات إغلاق المضيق لن تكون متساوية بين الدول، إذ تعد الصين والهند من أكبر المستوردين للطاقة القادمة من الخليج العربي عبر مضيق هرمز.

فجزء كبير من واردات الصين النفطية يمر عبر هذا الممر البحري، ما يجعل بكين شديدة الحساسية تجاه أي تهديد للملاحة فيه. ولهذا السبب تحرص الصين عادة على دعم الجهود الدبلوماسية لتجنب أي تصعيد قد يهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية.

ورغم أن إيران تمتلك قدرات عسكرية تمكنها من تعطيل الملاحة في المضيق، مثل الألغام البحرية والصواريخ المضادة للسفن والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة، إلا أن اللجوء إلى إغلاقه بشكل كامل يعد خياراً بالغ الخطورة. فإيران نفسها تعتمد على المضيق لتصدير نسبة كبيرة من نفطها وغازها، ويُقدّر أن نحو 90% من صادراتها النفطية تمر عبره، ما يعني أن إغلاقه قد يضر بالاقتصاد الإيراني نفسه.

إضافة إلى ذلك، فإن أي خطوة من هذا النوع قد تُفسَّر دولياً على أنها عمل عدائي مباشر، ما قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى الرد عسكرياً لضمان استمرار تدفق الطاقة عبر المضيق. وقد شهدت المنطقة بالفعل أحداثاً مشابهة في ثمانينيات القرن الماضي خلال ما عُرف بـ“حرب الناقلات”، عندما تدخلت الولايات المتحدة لحماية ناقلات النفط في الخليج.

ورغم التهديدات المتكررة عبر السنوات، لم يُغلق مضيق هرمز فعلياً في التاريخ الحديث، لكنه استُخدم أكثر من مرة كورقة ضغط سياسية. ففي عام 2012، هددت إيران بإغلاقه رداً على العقوبات الغربية المرتبطة ببرنامجها النووي، ما أدى حينها إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة دون أن يتم إغلاق المضيق فعلياً.

وتشير تحليلات صادرة عن مؤسسات بحثية دولية إلى أن احتمال تعطيل الملاحة في المضيق قد يتراوح بين 30 و50% في حال تصاعد التوترات العسكرية، في حين يبقى احتمال إغلاقه الكامل لفترة طويلة أقل بكثير، ويتراوح بين 5 و15% فقط بسبب التكاليف العسكرية والاقتصادية الهائلة لمثل هذا القرار.

وفي المحصلة، فإن إغلاق مضيق هرمز ليس مجرد تطور سياسي أو عسكري محدود، بل حدث قد يطلق سلسلة من الأزمات الاقتصادية والمالية على مستوى العالم. فالمضيق يمثل شرياناً أساسياً للطاقة والتجارة الدولية، وأي اضطراب كبير فيه قد يبدأ بارتفاع أسعار الوقود، لكنه قد ينتهي بتباطؤ اقتصادي عالمي واسع النطاق.

لهذا السبب تحرص معظم القوى الدولية على تجنب الوصول إلى هذا السيناريو، وتسعى عبر الضغوط الدبلوماسية والسياسية إلى إبقاء هذا الممر الحيوي مفتوحاً، نظراً لما يحمله إغلاقه من تداعيات قد تمس الاقتصاد العالمي بأسره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى