مقالات

سوريا بين جراح الخيام وبهرجة «الكومباوند»: هل تُبنى سوريا الجديدة للفقراء أم للنخب؟

أعاد الباحث والكاتب الأستاذ أحمد دعدوش فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في مرحلة إعادة تشكيل المشهد السوري، متوقفاً عند طبيعة المشاريع العقارية التي بدأت تظهر في البلاد، والهوية التي يمكن أن ترسمها هذه المشاريع لمستقبل المدن السورية.

وفي فيديو نشره عبر قناته على يوتيوب «السبيل»، تحت عنوان «سوريا بين جراح الخيام وبهرجة الكومباوند»، طرح دعدوش سؤالاً يتجاوز شكل الأبنية وتصاميمها وأسعارها إلى سؤال أكثر عمقاً: عندما تبدأ عملية إعادة إعمار سوريا، لمن ستكون الأولوية؟ وهل ستتجه المشاريع إلى معالجة احتياجات ملايين السوريين الذين فقدوا منازلهم، أم ستتركز على إنشاء أحياء ومجمعات سكنية مغلقة تستهدف أصحاب رؤوس الأموال والطبقات الأكثر ثراءً؟

ولا يتعلق النقاش، وفق القراءة التي قدمها دعدوش، برفض الاستثمار أو التطوير العمراني من حيث المبدأ، وإنما بطريقة ترتيب الأولويات، وبطبيعة النموذج الاقتصادي والعمراني الذي ستتبناه سوريا خلال السنوات المقبلة.

ففي بلد لا تزال فيه آثار الحرب حاضرة في المدن والبلدات والقرى، ويعيش جزء من سكانه في ظروف سكنية صعبة، يصبح سؤال المسكن أكثر من مجرد ملف عقاري. إنه قضية اجتماعية واقتصادية وإنسانية ترتبط مباشرة بمفهوم العدالة في مرحلة إعادة الإعمار.

بين الخيمة والشقة الفاخرة

من أبرز الأفكار التي يطرحها دعدوش المقارنة بين واقع السوريين الذين ما زالوا يعيشون في ظروف النزوح والسكن المؤقت، وبين الصورة التي تقدمها بعض المشاريع العقارية الحديثة من أبراج ومجمعات سكنية مغلقة ومساكن ذات أسعار مرتفعة.

وهنا تظهر المفارقة التي ينطلق منها عنوان تحليله: في الوقت الذي ما زالت فيه عائلات سورية تبحث عن منزل بسيط وآمن، تظهر مشاريع تستهدف شريحة مالية قادرة على دفع عشرات أو مئات آلاف الدولارات مقابل شقق أو فلل ضمن مجمعات سكنية متكاملة.

ويرى دعدوش أن هذه المفارقة تستحق التوقف عندها، لأن نجاح إعادة الإعمار لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأبراج التي ترتفع في سماء المدن، ولا بحجم الاستثمارات الأجنبية والمحلية التي تدخل السوق العقارية، وإنما بمدى قدرة هذه العملية على إعادة الإنسان السوري إلى حياة مستقرة وكريمة.

فإذا كانت إعادة الإعمار تعني إعادة بناء الحجر فقط، فقد تنجح المشاريع الاستثمارية في تغيير شكل المدن. أما إذا كان المقصود إعادة بناء المجتمع، فإن المسألة تصبح أكثر تعقيداً، وتفرض إعطاء السكن الشعبي والميسر والخدمات الأساسية أولوية واضحة.

من بقيت له «الطبقة الوسطى»

يتوقف دعدوش عند مسألة القدرة الشرائية للسوريين، مشيراً إلى التحولات الكبيرة التي طرأت على البنية الاقتصادية والاجتماعية خلال سنوات الحرب.

فالحديث عن «الطبقة الوسطى» في سوريا اليوم لا يمكن أن يكون مطابقاً لما كان عليه قبل الحرب. تراجع الدخول، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع قيمة العملة، والهجرة الواسعة، وفقدان الممتلكات، كلها عوامل أدت إلى إعادة تشكيل الطبقات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يمكن أن تصبح الشريحة السورية القادرة على شراء عقار بمئة ألف دولار أو أكثر شريحة محدودة جداً مقارنة بحجم المجتمع السوري.

وهذا يقود إلى سؤال جوهري: إذا كانت المشاريع السكنية الجديدة مصممة وفق قدرة مالية مرتفعة، فأين يذهب المواطن الذي لا يستطيع شراء منزل إلا بأقساط طويلة وبتمويل ميسر؟

ويرى دعدوش أن التركيز على القدرة المالية للسوريين المقيمين خارج البلاد أو أصحاب رؤوس الأموال، دون وضع حلول موازية للسكان داخل البلاد، يمكن أن يؤدي إلى إنتاج سوق عقارية لا تعكس الاحتياجات الحقيقية لغالبية المجتمع.

«الكومباوند».. أكثر من مجرد مجمع سكني

في حديثه، لا يتعامل دعدوش مع مفهوم «الكومباوند» باعتباره مجرد أسلوب معماري حديث، بل يقرأه بوصفه نموذجاً اجتماعياً واقتصادياً له انعكاساته على شكل المدينة وطبيعة العلاقة بين سكانها.

فالمجمع السكني المغلق يقوم عادة على فكرة وجود مساحة خاصة تتمتع بدرجة عالية من التنظيم والخدمات والحماية، وقد تضم حدائق ومرافق ترفيهية ومواقف للسيارات وخدمات أمنية وغيرها.

لكن السؤال، وفق الطرح الذي يقدمه دعدوش، هو: ماذا يحدث عندما تصبح هذه الجزر العمرانية الحديثة محاطة بمناطق تعاني من ضعف الخدمات أو الفقر أو آثار الدمار؟

هنا يمكن أن ينشأ مشهد عمراني شديد التناقض: أحياء فاخرة تتمتع بمستوى مرتفع من الخدمات، وفي محيطها أحياء تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية.

ولا تكمن المشكلة، في هذه القراءة، في أن يعيش أصحاب الدخل المرتفع في مساكن جيدة، بل في أن يتحول هذا النمط إلى النموذج الأساسي للتوسع العمراني، بينما تبقى احتياجات أصحاب الدخل المحدود في مرتبة ثانوية.

هل يمكن أن تتحول إعادة الإعمار إلى إعادة إنتاج للطبقية

يربط دعدوش بين شكل المدينة وشكل المجتمع.

فالمدينة ليست مجموعة مبانٍ فقط، وإنما فضاء يعيش فيه الناس ويتفاعلون ويتنقلون ويعملون ويتعلمون ويتلقون الخدمات.

وعندما تصبح المدن مقسمة إلى مناطق مغلقة للأثرياء ومناطق مهمشة للفقراء، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة المسافة الاجتماعية بين السكان.

وهذه المسألة تكتسب أهمية خاصة في سوريا، حيث أدت سنوات الحرب والنزوح والتهجير والفقر إلى إحداث تحولات اجتماعية عميقة.

ومن هنا يبرز التخوف من أن تؤدي إعادة الإعمار غير المتوازنة إلى تثبيت هذه الفوارق بدلاً من معالجتها.

فبدلاً من أن تكون عملية إعادة البناء فرصة لإعادة دمج المجتمع، قد تتحول، إذا غابت السياسات الاجتماعية، إلى وسيلة لإعادة توزيع المكان وفق القدرة المالية.

أسماء أجنبية وملامح عمرانية جديدة

ومن الجوانب التي يلفت إليها دعدوش أيضاً انتشار أسماء أجنبية أو ذات طابع تسويقي حديث لبعض المشاريع العقارية.

وتظهر في السوق العقارية أسماء مثل «شام فيو»، و«أبيات هيلز»، و«يعفور 963 بوليفارد»، و«بنيان»، و«جيران هومز»، و«تويست تاور»، و«أمين تاور»، و«ناي تاور»، و«إيغل تاور»، و«إيغل هيلز»، و«رويال سيتي» وغيرها.

ويضع دعدوش هذه الظاهرة في سياق أوسع يتعلق بتغير لغة التسويق العقاري، حيث أصبحت أسماء المشاريع جزءاً من صناعة الصورة الذهنية للمشروع، وربطها بمفاهيم الفخامة والحداثة ونمط الحياة العالمي.

لكن النقاش الذي يطرحه لا يتوقف عند اللغة المستخدمة في تسمية المشاريع، وإنما يتساءل عن مدى انسجام النموذج العمراني نفسه مع البيئة السورية واحتياجات المجتمع المحلي.

فهل المطلوب إعادة بناء مدن سورية تحمل طابعها وهويتها، أم استنساخ نماذج عمرانية موجودة في مدن أخرى؟

إرث المشاريع العقارية السابقة

ولا يمكن، في السياق السوري، فصل النقاش حول المشاريع العقارية الجديدة عن المشاريع التي ظهرت خلال السنوات السابقة.

فمشاريع مثل «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي» ارتبطت منذ بدايتها بجدل واسع حول الملكية العقارية وحقوق السكان والتهجير وإعادة تنظيم المناطق المتضررة.

ولهذا فإن أي مرحلة جديدة من إعادة الإعمار تحتاج، بحسب المنطق الذي يطرحه دعدوش، إلى التعامل مع ملف الملكية باعتباره ملفاً أساسياً وليس تفصيلاً قانونياً هامشياً.

فالمواطن الذي فقد منزله أو أرضه بسبب الحرب لا يحتاج فقط إلى مبنى جديد، بل يحتاج قبل ذلك إلى ضمان حقوقه القانونية وإثبات ملكيته والحصول على تعويض عادل أو بديل مناسب عندما يتعذر إعادة ممتلكاته.

الأرض ليست مجرد سلعة

ينتقل دعدوش في تحليله إلى الجانب الفقهي والفلسفي المتعلق بالأرض والملكية.

ويشير إلى أن التصور الإسلامي للملكية لا ينظر إلى الأرض باعتبارها سلعة منفصلة عن مسؤولية المجتمع والدولة، بل يضع مجموعة من الضوابط المتعلقة بالانتفاع والملكية وعدم الإضرار بالآخرين.

ومن هذه الزاوية، يطرح سؤالاً حول الحدود التي ينبغي أن تقف عندها الدولة في إعادة تنظيم الملكيات، وحول الطريقة التي يمكن من خلالها تحقيق التوازن بين حق المستثمر وحق المواطن وحق المجتمع.

وهذا النقاش يصبح أكثر حساسية في سوريا بسبب وجود ملايين الأشخاص الذين اضطروا إلى ترك مناطقهم خلال سنوات الحرب.

فأي مشروع عقاري يقام على أرض كانت ملكاً لأشخاص مهجرين أو نازحين يحتاج إلى معالجة قانونية واضحة تضمن عدم تحول إعادة الإعمار إلى وسيلة لتثبيت نتائج النزوح أو فقدان الملكية.

الاستثمار الأجنبي.. فرصة أم معادلة تحتاج إلى ضوابط

لا يرفض دعدوش فكرة الاستثمار الأجنبي من حيث المبدأ، لكنه يثير تساؤلات حول طبيعة الاستثمار الذي تحتاج إليه سوريا.

فليس كل استثمار متساوياً في أثره الاقتصادي.

هناك استثمارات يمكن أن تساهم في بناء المصانع وتطوير الزراعة والطاقة والتكنولوجيا والنقل، وتخلق قطاعات إنتاجية مستدامة.

وهناك استثمارات تتركز بشكل كبير في العقارات الفاخرة والمضاربة على أسعار الأراضي.

ومن هنا يصبح السؤال: أي نوع من الاستثمارات يجب أن تمنحه سوريا الأولوية؟

فإذا دخل رأس المال الأجنبي إلى قطاع البناء، فمن الطبيعي أن يحقق المستثمر أرباحاً، لكن الدولة تحتاج في الوقت نفسه إلى التأكد من أن المشروع يخلق قيمة اقتصادية حقيقية، ويوفر فرص عمل، ويطور البنية التحتية، ويضيف إلى الاقتصاد المحلي بدلاً من أن يتحول إلى عملية بيع للأراضي وإعادة بيعها بأسعار مرتفعة.

كما تحتاج الدولة إلى وضع قواعد واضحة بشأن تحويل الأرباح ورأس المال، بما يضمن وجود توازن بين حقوق المستثمر والمصلحة الاقتصادية الوطنية.

العمالة وفرص العمل ليست وحدها المعيار

من الحجج الرئيسية التي تُستخدم عادة لتبرير المشاريع العقارية الكبرى أنها توفر فرص عمل.

وهذا صحيح إلى حد كبير، فمشروعات البناء تحتاج إلى أعداد كبيرة من العمال والمهندسين والفنيين والموردين.

لكن دعدوش يلفت إلى ضرورة النظر إلى ما بعد مرحلة البناء.

فالمشروع الذي يوفر آلاف فرص العمل خلال فترة الإنشاء قد ينتهي تأثيره الاقتصادي الأساسي بمجرد انتهاء البناء.

أما المشاريع الإنتاجية في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والطاقة، فيمكن أن تستمر في خلق فرص العمل والقيمة المضافة لعقود.

ولهذا فإن التحدي أمام صانع القرار السوري هو بناء مزيج اقتصادي لا يجعل العقارات المحرك الأساسي والوحيد لمرحلة إعادة الإعمار.

سوريا بحاجة إلى نموذج سكني مختلف

في مقابل المشاريع العقارية الفاخرة، يبرز الاحتياج إلى نموذج واسع للإسكان الميسر.

وهنا يمكن التفكير في عدة حلول، من بينها بناء مساكن منخفضة التكلفة، وتطوير المدن السكنية الشعبية، وتوفير الأراضي بأسعار مدروسة، ومنح قروض طويلة الأجل، وتقديم برامج تمويل تمتد لعشرين أو ثلاثين عاماً، بما يسمح للأسرة ذات الدخل المحدود بامتلاك منزل تدريجياً.

كما يمكن الاستفادة من تقنيات البناء الحديثة والوحدات مسبقة الصنع في الحالات التي تتطلب حلولاً سريعة.

لكن هذه الحلول يجب ألا تتحول إلى أحياء معزولة للفقراء، وإنما ينبغي أن تكون جزءاً من مدن متكاملة تضم المدارس والمراكز الصحية ووسائل النقل والحدائق والأسواق وفرص العمل.

فالهدف ليس نقل السوري من الخيمة إلى «صندوق إسمنتي»، وإنما نقله إلى حياة حضرية مستقرة وكريمة.

إعادة الإعمار تبدأ من الخدمات

من السهل نسبياً أن تُقاس عملية الإعمار بعدد الأبراج والمجمعات الجديدة.

لكن المواطن العادي ينظر إلى مؤشرات مختلفة تماماً.

هل توجد كهرباء مستقرة؟

هل تصل المياه إلى المنازل؟

هل توجد مدارس قريبة؟

هل يستطيع المريض الوصول إلى مستشفى؟

هل توجد وسائل نقل عامة؟

هل يستطيع الشاب العثور على فرصة عمل؟

هل تستطيع الأسرة دفع إيجار المنزل أو قسطه؟

هذه الأسئلة، في النهاية، أكثر أهمية بالنسبة إلى غالبية السوريين من شكل الواجهة الخارجية لأي برج سكني.

ولهذا فإن إعادة إعمار البنية التحتية يجب أن تسير بالتوازي مع إعادة إعمار المساكن، لأن بناء مدينة جميلة من دون اقتصاد وخدمات وفرص عمل لا ينتج مدينة مستقرة.

الخطر الآخر: المضاربة العقارية

هناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في احتمال تحول الأراضي والعقارات إلى مجال للمضاربة.

فعندما تدخل رؤوس أموال كبيرة إلى سوق محدود العرض، يمكن أن ترتفع أسعار الأراضي والمنازل بسرعة، ما يجعل المواطن العادي أقل قدرة على شراء مسكن.

وفي بلد يعاني أصلاً من ضعف القوة الشرائية، يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار العقارات إلى خلق أزمة سكن جديدة حتى بعد انتهاء الحرب.

وهذا يعني أن سياسات الإسكان لا يمكن أن تترك بالكامل لقواعد السوق وحدها.

فالدولة تحتاج إلى سياسات تمنع الاحتكار، وتزيد المعروض من المساكن الميسرة، وتحمي حقوق المالكين الصغار، وتضمن عدم استغلال حاجة الناس إلى السكن.

ماذا عن المخاطر الأمنية والسياسية

يطرح دعدوش أيضاً مسألة الاستقرار باعتبارها عاملاً أساسياً في مستقبل الاستثمار العقاري.

فالاستثمار العقاري يحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة، لأن العقار بطبيعته أصل طويل الأجل.

والمستثمر الذي يضع ملايين الدولارات في برج أو مجمع سكني يحتاج إلى ضمانات بشأن الأمن والقوانين والملكية والاقتصاد.

وفي المقابل، تحتاج الدولة إلى ألا تجعل البحث عن الاستثمار سبباً لتقديم امتيازات مبالغ فيها للمستثمرين على حساب المجتمع.

فالمعادلة الناجحة هي التي تجعل المستثمر يشعر بالأمان، وفي الوقت نفسه تجعل المواطن يشعر بأن الاستثمار يحدث لمصلحته وليس على حسابه.

أي سوريا نريد أن نبني

ربما يكون السؤال الأهم الذي يخرج من تحليل دعدوش هو: كيف يجب أن تبدو سوريا بعد إعادة الإعمار؟

هل نريد مدناً مليئة بالأبراج الفاخرة والمجمعات المغلقة، بينما تبقى قضية السكن الشعبي مؤجلة؟

أم نريد مدناً متوازنة يستطيع فيها الفقير والموظف والمهندس والطبيب ورجل الأعمال أن يجدوا مكاناً لهم؟

الجواب لا يتعلق بالهندسة المعمارية فقط، وإنما بالتصور الاقتصادي والاجتماعي للدولة.

فإعادة الإعمار فرصة تاريخية يمكن أن تستخدم لإعادة بناء مجتمع أكثر توازناً، لكنها يمكن أيضاً أن تتحول إلى فرصة لإعادة إنتاج الفوارق القديمة بصورة جديدة.

ولهذا فإن السؤال عن «الكومباوند» ليس في الحقيقة سؤالاً عن المجمعات السكنية وحدها، بل عن فلسفة إعادة الإعمار بأكملها.

المواطن أولاً

إن سوريا الخارجة من الحرب تحتاج بالتأكيد إلى الاستثمار، وإلى الشركات، وإلى رؤوس الأموال، وإلى الأبنية الحديثة والمشاريع الكبرى.

لكن كل ذلك لا ينبغي أن يكون منفصلاً عن الاحتياجات الأساسية للسكان.

فلا معنى لمدينة حديثة إذا كان سكانها عاجزين عن دفع ثمن السكن.

ولا معنى للأبراج إذا بقيت المدارس والمستشفيات والبنية التحتية مدمرة.

ولا معنى للاستثمار إذا كان المواطن الذي فقد منزله خلال الحرب يجد نفسه عاجزاً عن العودة إلى مدينته بسبب أسعار العقارات الجديدة.

ومن هنا، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء نموذج عمراني واقتصادي قادر على استيعاب السوريين جميعاً، لا نموذجاً يخصص أفضل الخدمات والمساحات لمن يملك المال فقط.

الخلاصة

يضع تحليل الأستاذ أحمد دعدوش قضية إعادة الإعمار السورية أمام سؤال كبير يتجاوز العقارات والأبراج والمشاريع الاستثمارية: من هو الإنسان الذي يجب أن تكون إعادة الإعمار موجهة إليه؟

فالسوري الذي يعيش في خيمة، والأسرة التي فقدت منزلها، والموظف الذي لا يستطيع شراء شقة، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، جميعهم جزء من صورة سوريا الجديدة.

وفي المقابل، فإن المستثمر ورجل الأعمال وصاحب رأس المال جزء أيضاً من هذه الصورة، ولا يمكن تجاهل دورهم في إعادة بناء الاقتصاد.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الطرفين.

سوريا لا تحتاج إلى رفض الاستثمار، كما أنها لا تحتاج إلى فتح الباب أمام أي استثمار مهما كانت نتائجه الاجتماعية.

هي تحتاج إلى استثمار منتج، وسكن ميسر، وبنية تحتية قوية، وحماية للملكية، وعدالة في توزيع الفرص، وتخطيط عمراني يراعي طبيعة المجتمع السوري واحتياجاته.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي: «هل نريد الكومباوند أم لا؟»

بل: «هل ستكون إعادة الإعمار وسيلة لبناء سوريا لجميع السوريين، أم وسيلة لبناء مناطق مزدهرة لفئة محدودة بينما تبقى الأغلبية تنتظر دورها؟»

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، ليس فقط شكل المدن السورية في المستقبل، وإنما أيضاً شكل المجتمع الذي سيعيش داخلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى