دولي

اتفاقية مكة للدفاع المشترك.. ترحيب عربي وإسلامي وتعزيز للتعاون الأمني

رحبت مملكة البحرين ودولة فلسطين بتوقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين تركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، معتبرتين أن الاتفاقية تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون الدفاعي والأمني، ودعم الاستقرار الإقليمي، وتطوير آليات الردع الجماعي في مواجهة التحديات والتهديدات التي تواجه دول المنطقة.

وجاء توقيع الاتفاقية في مدينة مكة المكرمة، الجمعة، بمشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في خطوة عكست مستوى التقارب والتنسيق المتزايد بين أنقرة والرياض وإسلام آباد في الملفات الأمنية والدفاعية.

وتنص الاتفاقية على أن أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث سيُنظر إليه باعتباره هجوماً عليها جميعاً، بما يرسخ مبدأ الدفاع المشترك ويعزز مفهوم الردع الجماعي، إلى جانب فتح المجال أمام تطوير التعاون العسكري والأمني وتنفيذ مشاريع مشتركة في مجالات الصناعات الدفاعية، بما يخدم المصالح المشتركة للدول الموقعة.

وتأتي الاتفاقية في ظل تحولات أمنية متسارعة تشهدها المنطقة، وتصاعد التحديات المرتبطة بالصراعات الإقليمية والإرهاب وحماية الحدود والأمن البحري والجوي، إضافة إلى الحاجة المتزايدة لدى عدد من الدول إلى تطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز التنسيق فيما بينها.

وفي هذا السياق، أعربت وزارة الخارجية البحرينية عن ترحيب المملكة بتوقيع الاتفاقية بين تركيا والسعودية وباكستان، مشيدة بما تمتلكه الدول الثلاث من قدرات دفاعية وخبرات عسكرية، وبالأدوار التي تؤديها في دعم أمن المنطقة واستقرارها.

وأكدت البحرين أن الاتفاقية تمثل «شراكة استراتيجية بين أطراف متكافئة»، مشيرة إلى أن كل طرف يساهم في هذه الشراكة بما يمتلكه من إمكانات وقدرات، وأن الالتزام المشترك بحماية الأمن والاستقرار يمنح الاتفاقية وزناً أكبر ويعزز قدرتها على تحقيق الردع.

واعتبرت المنامة أن الاتفاقية تشكل إضافة نوعية إلى منظومة الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وأنها يمكن أن تسهم في تعزيز فاعلية هذه المنظومة وترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي، من خلال توسيع نطاق التعاون والتنسيق والتكامل بين الدول الشقيقة.

ويعكس الموقف البحريني اهتمام دول الخليج بتعزيز الشراكات الأمنية والدفاعية مع القوى الإقليمية القادرة على المساهمة في حماية أمن المنطقة، ولا سيما في ظل التحديات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، والتي دفعت باتجاه زيادة التنسيق العسكري والأمني وتبادل الخبرات والقدرات.

من جانبها، رحبت الرئاسة الفلسطينية بتوقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، ووصفتها بأنها «خطوة استراتيجية مهمة» من شأنها تعزيز الأمن والاستقرار والتعاون بين دول العالم الإسلامي، وترسيخ مبادئ التضامن ووحدة الأمن والمصير في مواجهة التحديات والتهديدات المشتركة.

وأعربت الرئاسة الفلسطينية عن تقديرها لقيادات تركيا والسعودية وباكستان، معتبرة أن تعزيز قدرات الدول وتكاملها وتعاونها في حماية أمنها وسيادتها ومصالحها المشروعة يمثل ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار في المنطقة والحفاظ على مقدرات شعوبها.

وربطت فلسطين الاتفاقية بشكل مباشر بالملف الفلسطيني، معربة عن أملها في أن تشكل «اتفاقية مكة» نقطة انطلاق نحو تعزيز منظومة الأمن الجماعي العربي والإسلامي، بما يسهم في حماية دول المنطقة وشعوبها ومقدساتها، ودعم حقوق الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية.

ويأتي هذا الموقف الفلسطيني في إطار النظر إلى التعاون الأمني والدفاعي بين الدول الإسلامية باعتباره أحد العوامل التي يمكن أن تدعم قدرة دول المنطقة على حماية مصالحها وسيادتها، إلى جانب إمكانية توظيف هذه الشراكات في دعم القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وفي مكة المكرمة أيضاً، رحبت رابطة العالم الإسلامي بالبيان المشترك الصادر عن القمة التي أسفرت عن توقيع الاتفاقية، معتبرة أن الخطوة تستند إلى روابط الأخوة والتضامن بين الدول الإسلامية، وتهدف إلى تعزيز الأمن المشترك وتحقيق السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة والمجتمع الدولي.

وقال الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ورئيس هيئة علماء المسلمين محمد بن عبد الكريم العيسى إن الاتفاقية تمثل إطاراً للتعاون القائم على التضامن الإسلامي، بما يعزز جهود تحقيق الأمن والاستقرار ويخدم المصالح المشتركة للدول والشعوب.

من جهته، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عقب توقيع الاتفاقية، أن «اتفاقية مكة» تستند إلى مبدأ الردع الجماعي، مشيراً إلى أنها ستسهم في تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين الدول الثلاث، فضلاً عن تنفيذ مشاريع مشتركة في قطاع الصناعات الدفاعية ودعم جهود مكافحة الإرهاب.

وشدد أردوغان على أن الاتفاقية لا تستهدف أي دولة، وإنما تهدف إلى تعزيز الأمن والرفاه والاستقرار في المنطقة، مؤكداً في الوقت ذاته أنها مفتوحة أمام انضمام «الدول الشقيقة»، وهو ما قد يفتح الباب أمام توسع إطار التعاون الدفاعي مستقبلاً ليشمل دولاً أخرى.

ويحمل إعلان أردوغان بشأن عدم استهداف الاتفاقية لأي دولة أهمية سياسية، في ظل حساسية الترتيبات الأمنية والعسكرية في الشرق الأوسط، حيث يمكن لأي تحالف دفاعي جديد أن يُقرأ في سياق التوازنات الإقليمية والصراعات القائمة. ولذلك حرصت الدول الموقعة على تقديم الاتفاقية باعتبارها آلية للدفاع والردع وحماية الأمن، وليس إطاراً موجهاً ضد طرف محدد.

أما رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، فأعرب عن اعتزازه بتوقيع الاتفاقية، معتبراً أنها يمكن أن تشكل «درعاً للسلام» من أجل الأجيال المقبلة. ويعكس الموقف الباكستاني أهمية الاتفاقية بالنسبة لإسلام آباد، التي تمتلك خبرة عسكرية واسعة وعلاقات دفاعية متقدمة مع عدد من الدول، وتسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع كل من السعودية وتركيا.

وتجمع باكستان والسعودية علاقات تاريخية وثيقة، تشمل المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، فيما شهدت العلاقات التركية الباكستانية خلال السنوات الماضية توسعاً ملحوظاً في مجالات الدفاع والصناعات العسكرية والتعاون الاستراتيجي.

أما العلاقة بين تركيا والسعودية، فقد شهدت بدورها تطوراً تدريجياً خلال السنوات الأخيرة، مع انتقالها من مرحلة التباينات السياسية إلى مرحلة جديدة من التقارب والتعاون في مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد والاستثمار والدفاع والتنسيق السياسي.

وفي هذا الإطار، يمكن أن تمثل الاتفاقية الجديدة إطاراً يجمع القدرات والخبرات المختلفة للدول الثلاث، إذ تمتلك تركيا قاعدة صناعية دفاعية متطورة وخبرة متنامية في إنتاج وتطوير الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية، بينما تتمتع السعودية بقدرات مالية واستثمارية كبيرة ودور محوري في منظومة الأمن الخليجي، في حين تمتلك باكستان جيشاً كبيراً وخبرة عسكرية طويلة، إلى جانب امتلاكها قدرات نووية.

وقال وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إن الاتفاقية ترسخ إطاراً لشراكة دفاعية طويلة المدى، من شأنها تعزيز الردع والتنسيق والتكامل بين الدول الثلاث، والمساهمة في دعم أمن واستقرار المنطقة والعالم.

ويشير هذا الطرح إلى أن الاتفاقية لا تقتصر بالضرورة على الاستجابة لهجوم عسكري مباشر، وإنما قد تتطور إلى منظومة أوسع من التعاون الدفاعي تشمل تبادل الخبرات والمعلومات، والتنسيق العسكري، والتدريبات المشتركة، وتطوير الصناعات الدفاعية، وتعزيز القدرات في مواجهة التهديدات الأمنية المختلفة.

كما أن الاتفاقية قد تمنح الدول الثلاث قدرة أكبر على تنسيق مواقفها في الملفات الأمنية الإقليمية، خصوصاً مع تزايد أهمية التعاون متعدد الأطراف في التعامل مع الأزمات والتهديدات العابرة للحدود.

ويبرز اختيار مكة المكرمة مكاناً لتوقيع الاتفاقية باعتباره يحمل دلالة سياسية ورمزية كبيرة، إذ جاءت الخطوة في مدينة تحظى بمكانة دينية استثنائية لدى المسلمين، ما يعزز الطابع الإسلامي للتعاون الذي تسعى الدول الثلاث إلى تقديمه، ويمنح الاتفاقية بعداً يتجاوز التعاون العسكري التقليدي إلى مفهوم التضامن بين الدول الإسلامية.

ومن المتوقع أن تثير الاتفاقية اهتماماً واسعاً في المنطقة وخارجها، بالنظر إلى حجم الدول الثلاث وموقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية. فتركيا تمثل قوة إقليمية مؤثرة وعضواً في حلف شمال الأطلسي، والسعودية تعد من أبرز القوى العربية والخليجية، بينما تمتلك باكستان ثقلاً عسكرياً كبيراً وموقعاً استراتيجياً في جنوب آسيا.

ويجمع الأطراف الثلاثة أيضاً موقع جغرافي مهم يمتد من شرق المتوسط والخليج العربي إلى جنوب آسيا، الأمر الذي قد يمنح أي تعاون دفاعي بينها أهمية إضافية في ملفات الأمن البحري وحماية طرق التجارة ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وفي الوقت نفسه، فإن طبيعة الاتفاقية وآليات تطبيقها الفعلية ستكون عاملاً أساسياً في تحديد حجم تأثيرها مستقبلاً، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية التعامل مع أي هجوم مسلح على إحدى الدول، ومدى التنسيق العسكري الذي قد ينتج عن ذلك، وما إذا كانت الاتفاقية ستتطور إلى ترتيبات دفاعية أكثر شمولاً.

كما أن الحديث عن إمكانية انضمام دول أخرى، كما أشار أردوغان، يفتح الباب أمام احتمال تحول الاتفاقية إلى إطار أوسع للتعاون الدفاعي بين عدد من الدول العربية والإسلامية، الأمر الذي قد يغير بعض ملامح التعاون الأمني الإقليمي خلال السنوات المقبلة.

وبينما رحبت البحرين وفلسطين والرابطة الإسلامية بالاتفاقية، فإن أهميتها لا تتوقف عند الدول الموقعة عليها، بل تمتد إلى النقاش الأوسع حول مستقبل الأمن الإقليمي، ومدى قدرة الدول العربية والإسلامية على بناء أطر مشتركة للتعاون الدفاعي بعيداً عن الترتيبات الأمنية التقليدية.

وتأتي «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في وقت تشهد فيه المنطقة تحديات متشابكة، ما يجعل تعزيز التنسيق بين الدول ذات القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية المختلفة أحد الخيارات المطروحة لتقوية الردع وحماية المصالح الوطنية والإقليمية.

وبذلك، تمثل الاتفاقية، وفق ما أعلنته الدول المشاركة والجهات المرحبة بها، محاولة لبناء شراكة دفاعية طويلة الأمد تقوم على مبدأ التضامن والردع المشترك والتنسيق العسكري، مع التأكيد على أنها لا تستهدف دولة بعينها، وإنما تسعى إلى دعم الأمن والاستقرار وحماية سيادة الدول ومصالح شعوبها.

ويبقى مدى نجاح هذه الاتفاقية مرتبطاً بقدرة الأطراف الثلاثة على تحويل المبادئ التي نصت عليها إلى آليات عملية للتعاون، وتطوير المشاريع الدفاعية المشتركة، وتنسيق السياسات الأمنية، وتعزيز القدرات العسكرية، بما قد يجعل منها نموذجاً جديداً للتعاون الدفاعي بين الدول العربية والإسلامية في المرحلة المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى