
دخل التعاون في مجال الطاقة بين الأردن والعراق مرحلة من التوقف المؤقت على مسارين رئيسيين، بعد انقطاع إمدادات النفط الخام العراقي إلى المملكة منذ مطلع عام 2026، بالتزامن مع انتهاء تزويد قضاء الرطبة غربي العراق بالكهرباء القادمة من الأردن.
ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه البلدان بحث الملفات التجارية والفنية العالقة، وسط تساؤلات بشأن موعد استئناف إمدادات النفط ومستقبل مشروع الربط الكهربائي الذي يفترض أن يتوسع تدريجياً من قدرته الحالية إلى نحو 500 ميغاواط.
توقف النفط العراقي إلى الأردن
كان الأردن قد استورد خلال عام 2025 نحو 2.75 مليون برميل من النفط الخام العراقي، بمعدل يقارب 300 ألف برميل شهرياً، أو ما يعادل نحو 10 آلاف برميل يومياً.
وكانت هذه الكميات توفر قرابة 7% من احتياجات المملكة النفطية، قبل أن تتوقف الشحنات مع بداية عام 2026، بعد انتهاء الترتيبات التعاقدية الخاصة بالتوريد.
وأوضح المتحدث باسم وزارة النفط العراقية سليم الركابي أن توقف الإمدادات يعود إلى عدم تجديد عقد تصدير النفط، إضافة إلى مسائل تجارية وعوامل أخرى مرتبطة بشركة تسويق النفط العراقية «سومو» والجانب الأردني.
وأشار إلى أن المفاوضات بين الطرفين لا تزال مستمرة بهدف التوصل إلى ترتيبات تسمح باستئناف التوريد، موضحاً أن المباحثات لا تتعلق بالجانب التجاري فقط، وإنما تشمل أيضاً حجم الكميات ومواصفات الخام الذي يمكن توريده إلى الأردن.
لماذا تعثر الاتفاق النفطي؟
كان الأردن يحصل سابقاً على النفط الخام الخفيف من كركوك، إلا أن العراق أبلغ الجانب الأردني بعدم توفر الكميات المطلوبة من هذا النوع حالياً.
وطرح العراق خام البصرة بديلاً عن خام كركوك، لكن الجانب الأردني أبدى تحفظات مرتبطة بمدى توافق الخام المقترح مع طبيعة المصافي العاملة في المملكة، ولا سيما مصفاة البترول الأردنية في الزرقاء.
وبذلك أصبحت عودة الإمدادات مرتبطة بالتوصل إلى اتفاق يجمع بين المتطلبات التجارية والمواصفات الفنية للخام، إضافة إلى تحديد الكميات وآلية التسعير وتكاليف النقل.
ولم يحدد البلدان حتى الآن موعداً نهائياً لاستئناف شحنات النفط العراقي إلى الأردن.
تفاصيل الاتفاق السابق وسعر النفط
كان الأردن يحصل على خام كركوك وفق ترتيبات تجارية تقوم على احتساب السعر بناءً على المتوسط الشهري لخام برنت، مع خصم يبلغ 16 دولاراً عن كل برميل.
وكان هذا الخصم يتضمن عدة بنود، من بينها 3.4 دولارات مقابل فرق النوعية لمصلحة مصفاة البترول الأردنية، إضافة إلى 0.09 دولار كأجور للمعاينة، ونحو 7.75 دولارات مقابل نقل البرميل من العراق إلى المصفاة.
وبحسب الترتيبات السابقة، كان الوفر الذي تستفيد منه الخزينة الأردنية يبلغ نحو 4.76 دولارات لكل برميل، ما جعل الاتفاق يوفر للمملكة ميزة سعرية مقارنة ببعض مصادر الاستيراد الأخرى.
وكان آخر عقد سنوي لتوريد الخام قد انتهى في 26 حزيران 2025، قبل أن يجري تمديده لمدة ثلاثة أشهر من تشرين الأول وحتى نهاية كانون الأول من العام نفسه، بهدف استكمال الكميات المتفق عليها، إلا أن التوريد توقف مجدداً مع بداية 2026.
خام البصرة يفرض تحديات فنية
يمثل استبدال خام كركوك بخام البصرة أحد أبرز الملفات التي تعرقل استئناف الإمدادات النفطية بين البلدين.
ويختلف خام البصرة في خصائصه عن الخام الذي اعتادت مصفاة البترول الأردنية التعامل معه، كما أن النفط المنتج في جنوب العراق يتضمن درجات مختلفة، أبرزها خام البصرة الخفيف وخام البصرة الثقيل.
ولهذا طلب الأردن من الجانب العراقي تزويده بالمواصفات الفنية التفصيلية لخام البصرة، بهدف دراسة مدى إمكانية تكريره داخل المصافي الأردنية دون التأثير في كفاءة عمليات التكرير أو المنتجات النهائية.
وتشمل عملية التقييم عوامل عدة، من بينها نسبة الكبريت وكثافة الخام ومردود عمليات التكرير، إلى جانب تكاليف النقل ومكان تحميل النفط والفروق السعرية المرتبطة بجودة الخام.
مفاوضات حول السعر والكميات
لا تقتصر المفاوضات الحالية على تحديد نوع النفط، إذ تشمل أيضاً بحث السعر والخصم والكميات التي يمكن أن يحصل عليها الأردن.
وتشير التقديرات المطروحة إلى وجود نقاش بشأن خفض الخصم السابق البالغ 16 دولاراً للبرميل إلى نحو 12 دولاراً، الأمر الذي قد يؤثر في الجدوى الاقتصادية للاتفاق بالنسبة إلى الجانب الأردني.
ويعني ذلك أن استئناف التوريد يتطلب صياغة اتفاق جديد يأخذ في الاعتبار تكلفة النقل واختلاف مواصفات الخام وقدرة المصافي الأردنية على التعامل معه، إلى جانب الظروف التجارية المحيطة بسوق النفط.
الأردن يبحث عن بدائل لتأمين احتياجاته
ورغم توقف النفط العراقي، تؤكد الجهات الأردنية وجود خطط للحفاظ على استقرار إمدادات السوق المحلية وعدم السماح بحدوث نقص في المشتقات النفطية.
وتشير البيانات إلى أن المخزون المتاح من المشتقات النفطية، بما يشمل البنزين والديزل والكاز ووقود الطائرات، يكفي لنحو 60 يوماً، بينما تبلغ كفاية سعات تخزين الغاز البترولي المسال نحو 38 يوماً.
وبالتزامن مع ذلك، يعمل الأردن على إعادة تقييم قدراته التخزينية للنفط والمشتقات البترولية، بهدف تحديد الاحتياجات المستقبلية وزيادة السعات التخزينية وتعزيز قدرة منظومة الطاقة على مواجهة أي اضطرابات محتملة في الإمدادات.
ويخفف تنوع مصادر الطاقة والاستيراد من تأثير توقف الخام العراقي على السوق الأردنية، إلا أن انتهاء الإمدادات يعني في الوقت نفسه فقدان المملكة ميزة سعرية كانت مرتبطة بالاتفاق السابق.
توقف الكهرباء الأردنية عن الرطبة
على الجانب الآخر، شهد التعاون الكهربائي بين البلدين توقفاً في مسار مختلف، بعدما انتهى تزويد قضاء الرطبة غربي العراق بالكهرباء القادمة من الأردن في منتصف أيلول 2026.
وكانت المرحلة الأولى من الربط الكهربائي توفر نحو 40 ميغاواط لقضاء الرطبة عبر خط كهربائي بجهد 132 كيلوفولت.
وبعد انتهاء عقد تزويد القضاء بالكهرباء الأردنية، عاد الرطبة للاعتماد على الشبكة الوطنية العراقية، ضمن خطة لربط المنطقة بالشبكة المحلية وتأمين احتياجاتها الكهربائية من مصادر داخل العراق.
مشروع الربط الكهربائي لم يتوقف
ولا يعني انتهاء تزويد الرطبة بالكهرباء الأردنية إلغاء مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، إذ ما تزال الخطط تستهدف تطوير المشروع ورفع قدرته تدريجياً وصولاً إلى نحو 500 ميغاواط.
ويتطلب الانتقال إلى المراحل الأعلى من المشروع استكمال عدد من مشاريع البنية التحتية، بما في ذلك خطوط وأبراج ومحطات كهربائية تعمل بجهد 400 كيلوفولت.
ويهدف المشروع على المدى الأوسع إلى توفير مصدر إضافي للكهرباء للعراق، ولا سيما المناطق الغربية، في الوقت الذي يمكن فيه للأردن الاستفادة من قدراته الإنتاجية وتصدير الكهرباء عند توفر فائض قابل للتسويق.
تحديات فنية ومالية أمام الربط
يتطلب توسيع الربط الكهربائي بين البلدين استكمال الأعمال الفنية والإدارية المرتبطة بشبكات النقل والمحطات، إضافة إلى الاتفاق على أسعار الطاقة والكميات وآليات السداد وضمانات الدفع.
كما أن الانتقال من تزويد محدود بقدرة 40 ميغاواط إلى مشروع تصل قدرته المستهدفة إلى 500 ميغاواط يحتاج إلى استثمارات أكبر وبنية تحتية قادرة على استيعاب تدفقات كهربائية واسعة ومستقرة.
وتبرز أهمية المشروع بالنسبة إلى العراق في توفير مصدر إضافي للطاقة، خصوصاً للمناطق الغربية، بينما يوفر للأردن فرصة للاستفادة اقتصادياً من قدرات التوليد المتاحة لديه.
هل هناك ارتباط بين توقف النفط والكهرباء؟
رغم تزامن توقف إمدادات النفط العراقي مع انتهاء تزويد الرطبة بالكهرباء الأردنية، لا توجد مؤشرات حاسمة تثبت وجود قرار مشترك بربط الملفين أو أن توقف أحدهما جاء رداً على الآخر.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن ملف النفط يرتبط أساساً بانتهاء الترتيبات التعاقدية والمفاوضات حول نوع الخام والكميات والسعر، في حين يرتبط توقف الكهرباء بانتهاء عقد تزويد الرطبة وعودة القضاء إلى الاعتماد على الشبكة العراقية.
ومع ذلك، فإن تزامن التطورين يسلط الضوء على التحديات التي تواجه مشاريع التكامل في مجال الطاقة بين البلدين، خصوصاً أن نجاح هذه المشاريع يحتاج إلى استقرار الترتيبات التجارية والفنية والإدارية لفترات طويلة.
مستقبل التعاون في مجال الطاقة
رغم التوقف الحالي في بعض مسارات التعاون، لا يبدو أن الأردن والعراق يتجهان إلى التخلي عن الشراكة في قطاع الطاقة، إذ لا يزال مشروع الربط الكهربائي قائماً، كما تستمر المفاوضات بشأن إعادة تدفق النفط العراقي إلى المملكة.
ويظل نجاح التعاون النفطي مرتبطاً بإيجاد خام مناسب للمصافي الأردنية، والتوصل إلى صيغة سعرية مقبولة للطرفين، فضلاً عن الاتفاق على الكميات وآلية النقل.
أما في قطاع الكهرباء، فإن المرحلة المقبلة ستعتمد على استكمال البنية التحتية اللازمة للانتقال من القدرة الحالية إلى مستويات أعلى وصولاً إلى 500 ميغاواط.
وبذلك، يواجه التعاون الأردني العراقي في مجال الطاقة مرحلة إعادة ترتيب أكثر من كونه توقفاً نهائياً، مع استمرار الحاجة إلى حلول تجارية وفنية تضمن استدامة التبادل وتحافظ على المصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدين.





