دولي

هل يقترب العالم من “النينيو الخارقة”؟ تحذيرات من اضطرابات مناخية قد تضرب الشرق الأوسط وترفع مخاطر الجفاف والحرائق

تتزايد في الأشهر الأخيرة التحذيرات العلمية المرتبطة باضطرابات المناخ العالمية، مع تصاعد الحديث عن احتمال تشكل ما يعرف إعلامياً بـ”النينيو الخارقة”، وهي ظاهرة مناخية قد تقود، في حال تطورها بقوة، إلى واحدة من أكثر الفترات المناخية اضطراباً خلال السنوات الأخيرة، وسط مخاوف من موجات حر قياسية وجفاف واسع وحرائق غابات وفيضانات قد تمتد آثارها إلى مختلف دول العالم، بما فيها منطقة الشرق الأوسط.


التحذيرات الأخيرة جاءت بعد مؤشرات علمية أظهرت ارتفاعاً غير مسبوق في درجات حرارة المحيطات، خاصة في المحيط الهادئ الاستوائي، حيث يرى خبراء مناخ أن هذا الارتفاع قد يمهد لولادة نسخة شديدة القوة من ظاهرة “النينيو”، وهي ظاهرة طبيعية معروفة تؤثر بشكل مباشر على حركة الرياح وكميات الأمطار والحرارة في مناطق واسعة من العالم.


وفي هذا السياق، حذر الدكتور مصطفى الشربيني، الخبير الدولي في الاستدامة وتقييم مخاطر المناخ، من أن العالم قد يكون مقبلاً على اضطراب مناخي واسع النطاق، مشيراً إلى أن استمرار ارتفاع حرارة المحيطات قد يفتح الباب أمام موجات مناخية قاسية تشمل الجفاف والفيضانات والحرائق واضطرابات الأمن الغذائي والطاقة.


ورغم أن ظاهرة “النينيو” ليست جديدة علمياً، فإن المخاوف الحالية ترتبط بكون العالم يعيش بالفعل تحت ضغط متزايد بسبب التغير المناخي والاحتباس الحراري، وهو ما قد يجعل تأثير الظاهرة هذه المرة أكثر شدة وتعقيداً مقارنة بالدورات السابقة.


ويؤكد خبراء المناخ أن السنوات الأخيرة شهدت تسجيل مستويات قياسية في حرارة البحار والمحيطات، الأمر الذي يعزز احتمالات حدوث اضطرابات جوية متطرفة، مثل موجات الحر الطويلة، والعواصف العنيفة، وحرائق الغابات، إضافة إلى تراجع معدلات الأمطار في بعض المناطق وحدوث سيول مدمرة في مناطق أخرى.


لكن في المقابل، لا يزال الجدل قائماً بين العلماء حول حقيقة ما يتم تداوله بشأن “النينيو الخارقة 2026”، حيث يرى فريق من الباحثين أن بعض التوصيفات المتداولة إعلامياً تتجاوز ما تؤكده النماذج العلمية حتى الآن، معتبرين أن مصطلح “النينيو الخارقة” ليس تصنيفاً علمياً رسمياً، بل تعبير إعلامي يستخدم لوصف النسخ الشديدة جداً من الظاهرة.


ويشير أصحاب هذا الرأي إلى أن التوقعات المناخية بعيدة المدى تبقى عرضة للتغير، وأن النماذج الجوية العالمية لا تستطيع حتى الآن حسم قوة الظاهرة أو مدة استمرارها بشكل دقيق، خاصة في ظل تعقيد التغيرات المناخية الحالية وتشابك العوامل المؤثرة في النظام المناخي العالمي.


ورغم هذا الانقسام، يتفق معظم الخبراء على نقطة أساسية، وهي أن العالم يشهد بالفعل تصاعداً واضحاً في الظواهر الجوية المتطرفة، سواء تشكلت “النينيو الخارقة” أم لا، وأن تأثيرات التغير المناخي أصبحت أكثر وضوحاً خلال الأعوام الأخيرة.


وبالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط، تبدو المخاوف أكبر نظراً لطبيعة المناخ الحار وشح الموارد المائية في عدد من الدول، حيث يتوقع مختصون أن تؤدي أي موجة “نينيو” قوية إلى ارتفاع إضافي في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، مع زيادة احتمالات الجفاف وحرائق الغابات وتراجع الإنتاج الزراعي.


وفي تركيا، يحذر خبراء مناخ من أن الولايات الجنوبية والساحلية المطلة على البحر المتوسط وبحر إيجة قد تكون من أكثر المناطق تأثراً، خاصة مع احتمالات ارتفاع الحرارة وتراجع معدلات الأمطار، ما قد يؤدي إلى زيادة خطر الحرائق وتراجع الموارد المائية خلال الأشهر المقبلة.
أما في سوريا، فتبدو التأثيرات المحتملة أكثر حساسية بسبب الأوضاع الاقتصادية وتراجع الموارد المائية خلال السنوات الماضية، إضافة إلى الضغوط التي يعاني منها القطاع الزراعي، والذي يعتمد بشكل كبير على الأمطار والمياه الجوفية.


ويرى مختصون أن أي موجة مناخية حادة مرتبطة بظاهرة “النينيو” قد تؤدي إلى صيف شديد الحرارة في سوريا، مع انخفاض إضافي في معدلات الهطول المطري وتراجع إنتاج القمح والمحاصيل الأساسية، خاصة في مناطق الجزيرة السورية والشمال، إلى جانب زيادة الضغط على السدود ومصادر المياه الجوفية.


كما قد تنعكس هذه التغيرات بشكل مباشر على الأمن الغذائي وأسعار المواد الأساسية، في ظل اعتماد العديد من الدول العربية على استيراد القمح والمواد الغذائية من الأسواق العالمية، وهو ما يجعل أي اضطراب مناخي عالمي عاملاً إضافياً في رفع الأسعار وزيادة الضغوط الاقتصادية.
وتشير دراسات مناخية إلى أن تأثيرات “النينيو” لا تكون متشابهة في جميع المناطق، إذ قد تواجه بعض الدول موجات جفاف حادة وعواصف ترابية، بينما تتعرض مناطق أخرى لأمطار غزيرة وسيول مفاجئة، خاصة في أجزاء من الخليج العربي والقرن الأفريقي.


وفي ظل هذه التحذيرات، تصاعد الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأى بعض المتابعين أن العالم يقترب فعلاً من مرحلة مناخية غير مسبوقة، بينما اعتبر آخرون أن بعض وسائل الإعلام تبالغ في استخدام توصيفات مثل “الكارثة المناخية” أو “الصيف الجحيمي” بهدف إثارة القلق وجذب التفاعل.


ورغم اختلاف التقديرات بشأن قوة الظاهرة المحتملة، فإن الرسالة التي يتفق عليها معظم العلماء تبقى واضحة، وهي أن العالم بات يواجه تحديات مناخية متزايدة تتطلب استعداداً مبكراً وخططاً فعالة للتكيف مع موجات الحر والجفاف والتغيرات الجوية المتطرفة، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة مناخياً واقتصادياً.


ويؤكد خبراء أن السنوات المقبلة قد تكون حاسمة في قدرة الدول على التعامل مع التحولات المناخية المتسارعة، سواء عبر تطوير أنظمة إدارة المياه، أو دعم القطاعات الزراعية، أو تعزيز خطط الاستجابة للكوارث الطبيعية، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن تغير المناخ لم يعد مجرد توقعات مستقبلية، بل واقعاً يفرض نفسه بشكل متسارع على مختلف أنحاء العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى