أعلنت وزارة الطاقة في بيان رسمي صادر يوم السبت 7 شباط/فبراير أن قطاع الطاقة في سوريا دخل مرحلة جديدة بعد استعادة عدد من الحقول والمنشآت النفطية والغازية، في خطوة اعتبرتها الدولة جزءاً أساسياً من مسار إعادة بناء المؤسسات واستعادة الموارد السيادية التي غابت لسنوات طويلة عن الإدارة المباشرة، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على الواقع الاقتصادي والخدمي في البلاد.
وأوضح البيان أن الدولة السورية واجهت منذ مرحلة التحرير تحديات كبيرة تمثلت في تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين وإعادة تشغيل القطاعات الحيوية، في ظل محدودية الموارد المتاحة، وخاصة النفط والغاز اللذين يشكلان العمود الفقري لقطاعات الكهرباء والنقل والصناعة. وأشارت الوزارة إلى أن بقاء هذه الموارد خارج الإدارة الفعلية للدولة خلال السنوات الماضية حرم الاقتصاد الوطني من الاستفادة من إمكاناته الطبيعية، وأدى إلى تفاقم الأعباء المالية والخدمية.
ومع استعادة عدد واسع من الحقول والمنشآت النفطية عقب العمليات العسكرية التي نفذها الجيش العربي السوري، بدأت مرحلة جديدة تركز على إعادة تنظيم القطاع وتأهيل بنيته التحتية، بعد سنوات من التشغيل غير المنهجي الذي تسبب بتراجع الإنتاج وتضرر أجزاء كبيرة من المنشآت نتيجة غياب الصيانة واستخدام أساليب استخراج بدائية لا تراعي المعايير الفنية المعتمدة.
وأكد وزير الطاقة المهندس محمد البشير أن سوريا كانت تمتلك قبل اندلاع الحرب طاقات إنتاجية كبيرة وصلت إلى نحو 400 ألف برميل من النفط يومياً، إضافة إلى قرابة 30 مليون متر مكعب من الغاز يومياً، مع احتياطيات كبيرة تُقدّر بمليارات البراميل من النفط ومئات مليارات الأمتار المكعبة من الغاز، ما جعل قطاع الطاقة أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني قبل تراجعه خلال السنوات الماضية.
وبيّن الوزير أن الإنتاج الفعلي المتاح للدولة قبل استعادة حقول الشرق كان محدوداً للغاية، إذ لم يتجاوز 15 ألف برميل يومياً، في وقت كانت فيه الحاجة المحلية تقارب 200 ألف برميل يومياً، وهو ما فرض ضغوطاً كبيرة على الحكومة لتأمين احتياجات السوق المحلية، ودفع بعض الجهات المتعاونة مع الدولة إلى شراء كميات محدودة من مناطق خارج السيطرة لتغطية جزء من الطلب.
وكشفت المعاينات الفنية الأولية التي أُجريت على الحقول المستعادة عن تراجع ملحوظ في مستويات الإنتاج، إلى جانب أضرار متفاوتة في شبكات النقل والتجهيزات والمنشآت السطحية، ما يستدعي تنفيذ برامج إعادة تأهيل شاملة تستند إلى تقييمات فنية دقيقة وخطط عمل طويلة الأمد لإعادة الحقول إلى مستويات تشغيل مستقرة وآمنة.
وفي هذا الإطار، أكدت وزارة الطاقة اتخاذ إجراءات تنظيمية عاجلة لضبط العمل داخل الحقول وتأمينها ومنع أي عبث أو استثمار عشوائي، مع تفعيل غرفة عمليات طارئة لمتابعة عمليات الاستلام والإشراف على التنسيق بين الفرق الفنية والميدانية، بما يضمن الانتقال التدريجي نحو إعادة التشغيل وفق أسس مهنية واضحة.
من جهته، أشار مدير إدارة تنظيم الحقول المهندس موسى الجبارة إلى أن إعادة الحقول إلى وضعها الطبيعي تتطلب جهوداً فنية كبيرة قد تمتد لنحو ثلاث سنوات، نظراً لحجم الأضرار والحاجة إلى معالجة أوضاع العديد من الآبار، مؤكداً أن الأولوية الحالية تتركز على إعادة تشغيل المحطات القابلة للعمل سريعاً، بالتوازي مع إعداد برامج منهجية تضمن استدامة الإنتاج مستقبلاً.
وبرزت مسألة السلامة البيئية والإشعاعية كأحد الملفات الأساسية في مرحلة ما بعد الاستعادة، خصوصاً في المواقع التي شهدت عمليات استخراج ومعالجة غير سليمة خلال السنوات السابقة. وفي هذا السياق، باشرت هيئة الطاقة الذرية السورية بالتعاون مع الشركة السورية للبترول تنفيذ أعمال مسح إشعاعي في الحقول المحررة بمحافظة دير الزور، بهدف تحديد مواقع التلوث ووضع الإشارات التحذيرية اللازمة لحماية العاملين والبيئة، تمهيداً لعمليات التأهيل وفق معايير السلامة المعتمدة.
وبالتزامن مع أعمال التقييم والدراسة، بدأت الشركة السورية للبترول خطوات عملية لإعادة دمج الحقول ضمن المنظومة الوطنية، حيث جرى نقل كميات من النفط الخام إلى مصفاتي بانياس وحمص، إلى جانب ضخ الغاز الخام من بعض الحقول إلى معامل المعالجة لتأمين احتياجات توليد الكهرباء، وهي إجراءات يُتوقع أن تنعكس تدريجياً على تحسين واقع الطاقة والخدمات الأساسية.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن عودة حقول النفط والغاز إلى إدارة الدولة تمثل نقطة تحول مهمة في مسار التعافي الاقتصادي، إذ يشكل قطاع الطاقة أحد أهم مصادر الدعم للاقتصاد الوطني، سواء من حيث تأمين الموارد المالية أو تحسين مستوى الخدمات العامة.
كما أن إعادة هذه الموارد إلى الخدمة الوطنية تفتح الباب أمام مرحلة طويلة من العمل الفني والاستثماري، تتطلب شراكات وخبرات متخصصة لضمان إعادة تأهيل القطاع بشكل مستدام يسهم في دعم الاقتصاد وتحسين حياة المواطنين خلال السنوات المقبلة.
