![]() |
| الحسكة: انكسار الرمح في خاصرة البيت |
هنا في الحسكة على هذه الأرض الصابرة تتبدى مفارقة موجعة يندى لها الجبين فكأن ذنب أبناء الحسكة الوحيد يكمن في طُهر النوايا و عفوية الانتماء.
لقد آمنوا بسذاجة الأوفياء أن الدولة سقفٌ لا ينهار وبأن الوطن حضنٌ لا يضيق فخاطوا الأعلام من بقايا ثيابهم المتهالكة لا زينةً، بل (تمائم بقاء) لاستقبال "الأمن العام" بقلوبٍ لم تلوثها حسابات الغدر.
لقد توهموا أن التمسك بالهوية في مهبّ التفتيت هو طوق نجاة فإذا به يصبح القيد الذي يُساقون به إلى الزنازين.
إنهم "مذنبون" لأنهم لم يجيدوا فن التلون ولأنهم رفضوا أن يكونوا غرباء في ديارهم متمسكين بسوريتهم رغم سنوات القهر المريرة ورغم الخذلان الذي ينضح من جدران المربعات الأمنية الصامتة.
إن المشهد السريالي الذي يطغى على مدن شمال شرق سوريا يعكس حالة من الانحناء الهيكلي كيف يُقبلُ في منطق السيادة أن تبتلع الميليشيا مؤسسات الدولة بدلاً من أن تذوب فيها.
إنه مشهد يبعث على الذهول مدينة سورية تُغلق أبوابها في وجه الأقلام والعدسات الوطنية بينما يُفسح المجال للأبواق الانفصالية لترسم واقعاً غريباً تحت ظلال أعلام "قنديل".
أيّ عارٍ هذا الذي يبيح تنصيب محافظ ببروتوكولات تخلو من راية الوطن وتحتفل برموز غريبة عن ترابنا.
إن الحكومة التي تعجز عن حماية كرامة مواطنيها وتقف متفرجة على إذلالهم تفقد مبرر وجودها الأخلاقي قبل السياسي.
تلك المربعات الأمنية لم تعد قلاعاً للسيادة بل سجوناً اختيارية تحرس صمتها بينما الشارع يغلي بظلم الاعتقالات الممنهجة ضد أهلنا.
"خانيكا": حين يُسلم الذئب مفاتيح الحظيرة.
تكتمل فصول التراجيديا بتسليم مقاليد المحافظة لشخصيات ارتبطت بسجون القهر، كـ "أبي عمر خانيكا". إن هذا التعيين ليس اتفاقاً إدارياً بل هو إمعان في سحق الروح العربية وتتويج لسياسة الاستسلام.
إن الشروط التي تمليها "قسد" اليوم عبر وكلائها هي صكوك "اقتلاع" ممنهجة للنسيج الاجتماعي:
- توطين الغربة: عبر فرض تجنيس عشرات الآلاف لتبديل ملامح الأرض وتاريخها.
- استلاب المؤسسات: بفرض جيش من الموظفين المؤدلجين في مفاصل الحياة اليومية للناس.
- تجهيل الأجيال: بفرض الاعتراف بشهادات جامعات لا تعترف بالهوية الأم ولا بالعمق الوطني.
إننا أمام لحظة فاصلة فإذا لم يُكسر قيد الشباب الذين اعتُقلوا لمجرد أنهم رفعوا علم بلادهم فإن الحكومة السورية ليست مجرد مقصرة بل هي شريك في الجرم.
هو عارٌ يمتد ليطال صمت العشائر التي كانت يوماً قلاع الكرامة وتشتت قوى الثورة التي انشغلت عن جراح البيت العربي في الحسكة.
الحسكة اليوم لا تطلب شفقة بل تطلب استعادة "البيت" الذي سُرق منها بمباركة الحارس.
هي صرخة لترميم ما تبقى من شرف الانتماء قبل أن يصبح السوري غريباً في خريطة رسمها الجلادون بمداد الخضوع.
