أخبار سوريا

وزير العدل سوريا تستعد لإطلاق مسار العدالة الانتقالية ومحاكمات علنية

أكد وزير العدل السوري مظهر الويس، الخميس 8 تشرين الأول، أن سوريا تمضي بخطوات ثابتة نحو إطلاق مسار شامل للعدالة الانتقالية، تمهيداً للبدء بمحاكمات علنية تقوم على الشفافية وسيادة القانون. وشدد الويس على أن الهدف الأساسي من العدالة الانتقالية لا يتمثل في الانتقام أو تصفية الحسابات، وإنما في معالجة آثار المرحلة السابقة، وإنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم وفق أسس قانونية واضحة.

وجاءت تصريحات وزير العدل خلال مشاركته في القمة الدولية لشؤون العدالة والقانون، المنعقدة في مدينة إسطنبول التركية، حيث استعرض رؤية سوريا للمرحلة الجديدة والتحديات التي تواجه بناء المؤسسات القضائية وتعزيز سيادة القانون. وأوضح أن البلاد تمر بمرحلة تاريخية ومفصلية تهدف إلى تأسيس دولة تقوم على المواطنة وحقوق الإنسان، بعد إسقاط النظام البائد، مؤكداً أن تحقيق العدالة يمثل أحد أهم المسارات الضرورية لترسيخ الاستقرار وبناء الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.

العدالة الانتقالية لمعالجة آثار الماضي

وأوضح الويس أن العدالة الانتقالية التي تتجه سوريا إلى إطلاقها تستند إلى مبدأ إنصاف الضحايا ومعالجة آثار الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، بعيداً عن منطق الانتقام. ويشمل هذا المسار، وفق ما طرحه الوزير، الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، إلى جانب اتخاذ خطوات تساعد على إغلاق ملفات الماضي بطريقة قانونية تضمن حقوق الضحايا وتحافظ على حق المجتمع في معرفة ما جرى.

وأشار وزير العدل إلى أن كشف مصير المفقودين يمثل استحقاقاً أساسياً ضمن هذا المسار، إلى جانب تسليم المطلوبين للعدالة ومحاسبتهم أمام الجهات القضائية المختصة. وتأتي هذه الملفات في مقدمة القضايا التي ترتبط بتحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم، خصوصاً أن مصير آلاف الأشخاص لا يزال من أبرز الملفات الإنسانية والقانونية التي تحتاج إلى معالجة واضحة وشفافة.

محاكمات علنية وفق معايير الشفافية

وأكد الويس أن المرحلة المقبلة ستشهد التوجه نحو محاكمات علنية تلتزم بالشفافية، بما يعزز ثقة المجتمع بالقضاء ويؤكد استقلال المؤسسة القضائية. ويرتبط هذا التوجه بإعادة بناء منظومة القضاء على أسس جديدة تركز على الكفاءة والنزاهة واحترام القانون، بما يضمن أن تكون المحاكمات قائمة على الأدلة والإجراءات القانونية بعيداً عن أي اعتبارات سياسية أو انتقامية.

ولفت الوزير إلى أن سوريا تستند في المرحلة الجديدة إلى إعلان دستوري يتضمن حماية حقوق الإنسان، مشيراً إلى العمل على إعادة بناء مؤسسة القضاء بما ينسجم مع مبادئ سيادة القانون. ويُنظر إلى إصلاح القضاء باعتباره جزءاً أساسياً من عملية بناء الدولة، نظراً لدوره في حماية الحقوق والحريات والفصل في النزاعات ومحاسبة مرتكبي الجرائم.

دعوة إلى عدالة دولية بلا ازدواجية

وفي سياق حديثه عن العدالة، دعا وزير العدل إلى قيام منظومة عدالة دولية تطبق قواعدها على جميع الدول والأطراف دون استثناء. وشدد على ضرورة الابتعاد عن ازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا القانونية والإنسانية، معتبراً أن احترام القانون الدولي يجب أن يكون قاعدة مشتركة تلتزم بها جميع الأطراف.

وأكد الويس أن سوريا حريصة على احترام القانون الدولي وحسن الجوار، مشيراً إلى التزامها باتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. وفي المقابل، أشار إلى استمرار تعرض الأراضي السورية لاعتداءات خارجية، وفي مقدمتها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، التي قال إنها تشمل عمليات توغل وقصف داخل الأراضي السورية.

سوريا تطلب دعماً دولياً لعودة اللاجئين

وشدد وزير العدل على أن سوريا لا تستطيع تجاوز جميع تحديات المرحلة الجديدة بمفردها، مؤكداً حاجتها إلى دعم المجتمع الدولي من أجل توفير الظروف الآمنة والمناسبة لعودة اللاجئين السوريين. ويرتبط ملف العودة، وفق الطرح السوري، بتحقيق الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات وتوفير بيئة قانونية وأمنية تضمن حقوق العائدين.

كما أشار الويس إلى أن سوريا تواجه تحديات أمنية متواصلة، من بينها مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، إضافة إلى مواجهة تجارة المخدرات. وأكد أن السلطات تخوض معارك حاسمة في هذه الملفات، مع التشديد على عدم التهاون في مواجهة الأنشطة الإجرامية التي تهدد الأمن والاستقرار.

تعاون دولي لمواجهة الجرائم الجديدة

وقال وزير العدل إن سوريا دخلت مرحلة جديدة بعد ما وصفه بانتصارها في 8 كانون الأول 2024 ونيلها حريتها بإصرار شعبها، مشيراً إلى أن البلاد بدأت العمل على بناء مرحلة مختلفة تتطلب تطوير المؤسسات القانونية والقضائية بما يتناسب مع التحديات الجديدة.

وأوضح أن الجرائم العابرة للحدود والتطورات التكنولوجية تفرض على الدول تعزيز التعاون فيما بينها، ولا سيما في مجالات المساعدة القانونية وتبادل المعلومات وملاحقة المطلوبين ومكافحة الجرائم المنظمة. وأكد تطلع سوريا إلى توسيع التعاون مع وزارة العدل التركية، إضافة إلى مختلف الدول الصديقة، بهدف تطوير آليات المساعدة القانونية ومواجهة الجرائم التي تتجاوز الحدود الوطنية.

تحرك سوري لتعزيز العلاقات القضائية الدولية

وتأتي مشاركة وزير العدل في قمة إسطنبول ضمن سلسلة من التحركات الرامية إلى تعزيز حضور سوريا في المحافل القانونية والدولية، وطرح رؤيتها بشأن المرحلة الانتقالية وإعادة بناء مؤسسات الدولة. ويعكس ذلك توجهاً نحو تطوير العلاقات القضائية مع الدول والمنظمات الدولية، والاستفادة من الخبرات والتجارب في مجالات إصلاح القضاء ومكافحة الجرائم الحديثة.

وكان الويس قد اختتم في 11 أيار الماضي زيارة إلى مدينة لاهاي الهولندية، شارك خلالها في مؤتمر «العدالة ثم يتبعها الاستقرار» الذي عقد في قصر السلام. وأوضح حينها عبر حسابه في منصة «إكس» أن الزيارة تضمنت لقاءات موسعة مع عدد من المؤسسات والمنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بهدف إيصال رؤية سوريا الجديدة وتعزيز فرص التعاون.

وتشير مواقف وزير العدل الأخيرة إلى أن العدالة الانتقالية باتت من الملفات الرئيسية في المرحلة السورية الجديدة، مع التركيز على تحقيق العدالة للضحايا، وكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين، وإعادة بناء القضاء على أسس مهنية. كما تضع الحكومة السورية التعاون الدولي في صلب جهودها لمواجهة الجرائم العابرة للحدود ودعم الاستقرار، بالتوازي مع العمل على توفير الظروف التي تسمح بعودة اللاجئين وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى