دولي

اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر 2026.. التكنولوجيا توسع نطاق الجريمة وسوريا تنضم إلى الجهود الدولية

يحيي العالم في 30 تموز/يوليو من كل عام اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر، في مناسبة أقرتها الأمم المتحدة بهدف تسليط الضوء على واحدة من أخطر الجرائم المنظمة العابرة للحدود، وتعزيز حماية الضحايا، وتكثيف التعاون الدولي لمواجهة الشبكات الإجرامية التي تواصل تطوير أساليبها مستفيدة من التكنولوجيا والمنصات الرقمية.

ويأتي إحياء المناسبة هذا العام في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالاتجار بالبشر، حيث لم تعد هذه الجريمة تقتصر على أساليب الاستغلال التقليدية، بل باتت تعتمد بصورة متزايدة على وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات الوهمية والتطبيقات الرقمية لاستدراج الضحايا واستغلالهم في أعمال قسرية أو أنشطة إجرامية مختلفة.

الأمم المتحدة تخصص 30 تموز لمكافحة الاتجار بالبشر

اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 كانون الأول/ديسمبر 2013 القرار رقم (A/RES/68/192)، الذي خصص يوم 30 تموز يوماً عالمياً لمكافحة الاتجار بالأشخاص، بهدف زيادة الوعي العالمي بحجم هذه الجريمة وتعزيز حماية الضحايا وصون حقوقهم، على أن يبدأ الاحتفال الرسمي بهذه المناسبة اعتباراً من عام 2014.

ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا اليوم محطة سنوية لتقييم الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة الاتجار بالبشر، واستعراض أبرز التحديات التي تواجه الحكومات والمنظمات الدولية، إضافة إلى تعزيز التعاون بين الدول لملاحقة الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

شعار عام 2026.. “عالقون في فخ الاحتيال”

يحمل اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر لعام 2026 شعار “عالقون في فخ الاحتيال”، في إشارة إلى أحد أخطر الأساليب الحديثة التي تلجأ إليها شبكات الجريمة المنظمة.

وتعتمد هذه الشبكات على استدراج الضحايا من خلال إعلانات توظيف مزيفة أو عروض سفر واستثمار وهمية، قبل نقلهم إلى مراكز احتيال إلكترونية وإجبارهم، تحت التهديد أو الإكراه، على تنفيذ عمليات نصب واحتيال تستهدف أشخاصاً آخرين حول العالم.

ويؤكد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن هذا النمط من الجرائم شهد انتشاراً واسعاً خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في شرق آسيا وجنوب شرقها، حيث قدرت الخسائر المالية الناتجة عن عمليات الاحتيال المرتبطة بهذه الشبكات بما يتراوح بين 18 و37 مليار دولار خلال عام 2023، في مؤشر يعكس حجم الأرباح التي تحققها الجماعات الإجرامية المنظمة.

أرقام تكشف اتساع ظاهرة الاتجار بالبشر

تشير أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن نحو 74% من المتاجرين بالأشخاص يعملون ضمن جماعات إجرامية منظمة تمتلك شبكات عابرة للحدود وإمكانات مالية ولوجستية كبيرة.

كما أظهرت بيانات عام 2022 أن ضحايا من 162 جنسية تعرضوا لعمليات اتجار بالبشر في 128 دولة، فيما شكل الرجال نحو 70% من الأشخاص الذين خضعوا للتحقيق أو الملاحقة القضائية أو صدرت بحقهم أحكام في قضايا الاتجار بالبشر.

وتوضح الإحصاءات أيضاً أن الضحايا من أصل أفريقي كانوا من أكثر الفئات تعرضاً للاتجار عبر الحدود، إذ مثلوا نحو 31% من إجمالي تدفقات الاتجار الدولية، في ظل عوامل متعددة أبرزها الفقر، والنزاعات المسلحة، وضعف الحماية القانونية، والهجرة غير النظامية.

التكنولوجيا تغيّر أساليب الجريمة المنظمة

شهدت جريمة الاتجار بالبشر تحولاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، مع اعتماد الشبكات الإجرامية على الوسائل الرقمية لاستقطاب الضحايا وإخفاء أنشطتها.

وتستخدم هذه الشبكات منصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة، والإعلانات الإلكترونية، والمواقع الوهمية لاستهداف الباحثين عن فرص عمل أو الراغبين في الهجرة وتحسين أوضاعهم المعيشية، قبل استدراجهم إلى بيئات استغلال قسري تشمل العمل القسري، والاستغلال الجنسي، أو إجبارهم على المشاركة في عمليات احتيال إلكترونية.

وترى الأمم المتحدة أن هذا التطور يفرض تحديات جديدة أمام أجهزة إنفاذ القانون، الأمر الذي يتطلب تطوير أدوات التحقيق الرقمي، وتعزيز التعاون بين الدول، وتبادل المعلومات والخبرات لملاحقة الشبكات التي تستغل التكنولوجيا في ارتكاب الجرائم.

سوريا تنضم إلى مجموعة أصدقاء مكافحة الاتجار بالبشر

في إطار تعزيز التعاون الدولي، أعلن مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي انضمام سوريا إلى “مجموعة أصدقاء مكافحة جريمة الاتجار بالبشر التي تيسرها التكنولوجيا”، وذلك خلال اجتماع عقد في مقر الأمم المتحدة بدعوة من جمهورية كوريا وبالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

وأوضح علبي أن قرار الانضمام يأتي استناداً إلى التجارب التي مر بها الشعب السوري خلال السنوات الماضية، وما رافقها من أشكال متعددة من الاتجار بالأشخاص واستغلال المدنيين، مؤكداً استعداد سوريا للعمل مع بقية الدول لتعزيز الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة هذه الجرائم.

وأشار إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا، إضافة إلى خبرتها في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، منحها تجربة عملية في التعامل مع شبكات الاتجار بالبشر وتهريب المخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية المنظمة.

خبراء: الانضمام يعزز التعاون الدولي

يرى المحامي والخبير في القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني أن انضمام سوريا إلى مجموعة أصدقاء مكافحة الاتجار بالبشر التي تيسرها التكنولوجيا يمثل خطوة مهمة على المستويين القانوني والدبلوماسي.

وأوضح أن شبكات الاتجار بالبشر أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الوسائل الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي لاستدراج الضحايا، وهو ما يجعل التعاون الدولي وتبادل المعلومات والخبرات أمراً ضرورياً لملاحقة هذه الشبكات.

وأضاف أن هذه الخطوة تمنح سوريا فرصة للاستفادة من الخبرات الدولية في تطوير التشريعات، وتعزيز قدرات أجهزة إنفاذ القانون، وتحسين آليات حماية الضحايا وإعادة تأهيلهم، إلى جانب المساهمة بخبراتها العملية الناتجة عن سنوات النزاع وما رافقها من تحديات إنسانية واقتصادية.

ما المقصود بالاتجار بالبشر؟

يعرف بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، المعتمد عام 2000، الاتجار بالبشر بأنه تجنيد الأشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم باستخدام القوة أو التهديد أو الإكراه أو الخداع أو استغلال حالة الضعف، بهدف تحقيق الاستغلال.

ويشمل هذا الاستغلال العمل القسري، والاستغلال الجنسي، والاسترقاق، والممارسات الشبيهة بالرق، والاستعباد، ونزع الأعضاء البشرية، وغيرها من أشكال الاستغلال التي تمثل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان.

جهود أمنية لملاحقة شبكات الاتجار بالبشر في سوريا

تواصل الجهات الأمنية السورية تنفيذ عمليات تستهدف شبكات الاتجار بالبشر في عدد من المحافظات، حيث تمكن فرع مكافحة الاتجار بالبشر في محافظة حلب خلال شهر تموز الجاري من تفكيك عصابة إجرامية استغلت عدداً من القاصرين في أعمال التسول.

وتأتي هذه العمليات ضمن جهود وزارة الداخلية لملاحقة العصابات التي تستغل الفئات الأكثر هشاشة، وتعزيز حماية الأطفال والنساء، ومنع استغلالهم في أنشطة مخالفة للقانون.

دعوات أممية لتعزيز المواجهة العالمية

أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في رسالته بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص أن هذه الجريمة تعد من أسرع أشكال الجريمة المنظمة نمواً، وتشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان يقوم على الخداع والإكراه والاستغلال.

ودعا إلى تعزيز حماية الضحايا، ومحاسبة المتورطين، وتطوير قدرات أجهزة إنفاذ القانون، ومعالجة الأسباب الجذرية التي تزيد من مخاطر الاتجار بالبشر، وفي مقدمتها الفقر، وعدم المساواة، والنزاعات، والأزمات الإنسانية.

كما شددت الأمم المتحدة، من خلال إعلانها السياسي لتنفيذ خطة العمل العالمية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، على ضرورة تعزيز التعاون الدولي والإقليمي، وتطوير آليات العدالة الجنائية، ودعم الناجين من هذه الجرائم، بما يواكب الأساليب المتطورة التي تعتمدها الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

تحديات متزايدة تتطلب استجابة دولية

مع استمرار تطور أساليب الاتجار بالبشر وتوسع استخدام التكنولوجيا في تنفيذ هذه الجرائم، تؤكد المنظمات الدولية أن المواجهة لم تعد مسؤولية دولة واحدة، بل تتطلب تنسيقاً دولياً شاملاً يجمع بين تطوير التشريعات، وتعزيز التعاون الأمني والقضائي، وتبادل المعلومات، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بمخاطر الوقوع ضحية لعمليات الاحتيال والاستغلال.

ويشكل اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالبشر مناسبة لتجديد الالتزام الدولي بحماية الضحايا، وتجفيف مصادر تمويل الشبكات الإجرامية، وبناء شراكات أكثر فاعلية لمواجهة واحدة من أخطر الجرائم التي تهدد المجتمعات في العصر الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى