دوليمحليات

قراءة في التحول الأمريكي تجاه ملف السويداء ورسائل توم براك

رأى الصحفي علي عيد أن التصريحات الأخيرة للمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم براك بشأن محافظة السويداء تعكس تحولاً لافتاً في طبيعة الرسائل الأمريكية المتعلقة بالملف، مشيراً إلى أن الخطاب الأمريكي يبدو أنه ينتقل تدريجياً من التركيز على مسؤولية الحكومة السورية في حماية المدنيين إلى التشديد على ضرورة إعادة الحوكمة وتفعيل مؤسسات الدولة وفرض القانون والمساءلة.

وأوضح عيد، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، أن حديث براك عن غياب الحوكمة وملء العصابات للفراغ، إلى جانب تأكيده أن التعامل العسكري يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة، يعكس، بحسب قراءته، تغيراً في طريقة تناول واشنطن لأزمة السويداء.

وأضاف أن التصريحات الجديدة تركز بصورة أكبر على ضرورة إعادة المحافظة إلى مؤسسات الدولة، ضمن إطار يقوم على الحوكمة والمواطنة والمساءلة، بدلاً من استمرار حالة الفراغ الأمني ووجود تشكيلات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة.

تململ أمريكي من استمرار الوضع القائم

اعتبر عيد أن قراءة الموقف الأخير للمبعوث الأمريكي تكشف مؤشرات على وجود حالة من التململ داخل الإدارة الأمريكية تجاه البطء الذي يحيط بمسار معالجة ملف السويداء.

وأشار إلى أن براك، رغم قربه من الحكومة السورية، استخدم عقب أحداث المحافظة توصيفات شديدة اللهجة تجاه ما جرى، قبل أن تتجه تصريحاته الأخيرة إلى التركيز بصورة أكبر على غياب الحوكمة والفراغ الأمني وانتشار المجموعات المسلحة.

ويرى عيد أن هذا التحول قد يعكس نفاداً متزايداً للصبر تجاه استمرار الوضع القائم، خصوصاً مع عدم تحقيق تقدم كافٍ في الملفات الأمنية والإنسانية والسياسية المرتبطة بالمحافظة.

حادثة عاطف هنيدي ودلالاتها

وأشار عيد إلى أن حادثة اختطاف عاطف هنيدي والاعتداء عليه وإجباره على مغادرة السويداء ربما شكلت محطة مهمة في هذا التحول في الخطاب الأمريكي، ولا سيما أن براك تناول القضية بصورة مباشرة.

وقال المبعوث الأمريكي إن فريقه يتواصل مع هنيدي ومع أشخاص آخرين تعرضوا لما وصفه بحملة عنف داخل المجتمع، بالتزامن مع تحذيره من أن غياب الحوكمة يسمح للعصابات بملء الفراغ الموجود.

وبحسب عيد، فإن إدراج هذه الحادثة في تصريحات براك يحمل دلالة سياسية، إذ إن واشنطن تبدو أكثر اهتماماً بمشكلة انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة، وبضرورة إيجاد سلطة قادرة على حماية المدنيين وفرض القانون.

مقاربة أمريكية تركز على مؤسسات الدولة

ولفت عيد إلى أن براك بدأ، وفق قراءته، باستخدام مقاربة تشبه المسار الذي اتبعته واشنطن في تعاملها مع ملف “قسد”، من خلال التركيز على العودة إلى مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الانفصال المؤسسي والأمني.

وأوضح أن واشنطن سبق أن مارست ضغوطاً على دمشق لمراجعة سياساتها وتحمل مسؤوليتها في حماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات، بينما تشير التصريحات الجديدة، بحسب رأيه، إلى أن تقييم أداء الحكومة أصبح مرتبطاً بدرجة أكبر بقدرتها على فرض القانون وتحقيق المساءلة وضبط مؤسسات الدولة.

وأضاف أن ذلك قد يمهد، في حال استمر هذا المسار، لخطوات أخرى تتعلق بكيفية معالجة ملف السويداء سياسياً وأمنياً.

السويداء كقضية حوكمة ومساءلة

يرى عيد أن الموقف الأمريكي يتعامل بشكل متزايد مع السويداء باعتبارها قضية حوكمة وفراغ أمني ومساءلة، وليس مجرد خلاف بين دمشق ومكونات المحافظة.

ويظهر ذلك أيضاً، بحسب تحليله، في تمسك براك بخارطة الطريق الثلاثية التي أقرتها سوريا والأردن والولايات المتحدة في أيلول 2025، والتي تتضمن معالجة الملفات الأمنية والإنسانية، وإعادة بناء الثقة، وتفعيل المؤسسات المدنية، وعودة النازحين، والمساءلة عن الانتهاكات، مع التأكيد على بقاء السويداء جزءاً من سوريا.

التأكيد على وحدة سوريا وحقوق المواطنين

وأوضح عيد أن حديث براك عن ضرورة إعادة دمج السويداء في سوريا مع ضمان كامل حقوق المواطنة وواجباتها لأبنائها الدروز يمثل، وفق قراءته، رسالة واضحة بشأن شكل الحل الذي تريده واشنطن.

وبحسب هذا الطرح، فإن الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في تكريس واقع مسلح منفصل عن الدولة، وإنما تدفع باتجاه إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وضمان حقوق السكان ضمن إطار المواطنة ووحدة سوريا.

وكان براك قد أكد أن سوريا يجب أن تبقى دولة واحدة وشعباً واحداً، مع احترام تنوع الثقافات والأديان، مشدداً في الوقت نفسه على أن استخدام القوة المسلحة يجب أن يبقى من اختصاص مؤسسات الدولة وحدها.

براك يحذر من استمرار التصعيد

وأعرب براك عن استيائه من تجدد التصعيد في السويداء، محذراً من أن استمرار التوتر قد يقود إلى موجة جديدة من العنف والخسائر.

وأكد أهمية استمرار التعاون والحوار بين مكونات المحافظة والمجتمعات المحيطة بها والدول المجاورة، مشيراً إلى أن معالجة الأزمة تتطلب مساراً سياسياً وأمنياً يحافظ على وحدة سوريا ويضمن حقوق سكانها.

كما أشار إلى ضرورة المضي في مسار المساءلة عن الانتهاكات التي وقعت خلال أحداث تموز 2025، معتبراً أن تحقيق العدالة يمثل خطوة أساسية لاستعادة الأمن وبناء الثقة وتهيئة الظروف أمام عودة النازحين وإعادة إعمار المناطق المتضررة.

هل تتجه السويداء نحو مسار مشابه لملف قسد؟

يعتقد عيد أن مجمل هذه المؤشرات تقود، وفق تحليله، إلى مسار يقترب من المقاربة الأمريكية التي ظهرت في ملف “قسد”، والمتمثلة في إعادة ربط المناطق والمؤسسات بالدولة من خلال الحوكمة والمواطنة والمساءلة والحوار.

ويؤكد في الوقت ذاته أن هذه المقارنة تبقى قراءة سياسية للتحول في خطاب المبعوث الأمريكي، وليست إعلاناً رسمياً عن تغيير معلن في السياسة الأمريكية تجاه السويداء.

ويرى أن أهمية تصريحات براك تكمن في انتقال الخطاب من التركيز على مسؤولية دمشق وحدها عن حماية المدنيين إلى تحميل الفراغ الأمني وغياب الحوكمة جزءاً من مسؤولية اتساع نفوذ المجموعات المسلحة، مع التشديد بصورة أوضح على مرجعية الدولة في إدارة الملف الأمني.

خارطة الطريق أمام اختبار التنفيذ

وتأتي هذه التصريحات بالتزامن مع استمرار التحديات التي تواجه تنفيذ خارطة الطريق الثلاثية الخاصة بالسويداء، والتي تتضمن مسارات لمعالجة الملفات الأمنية والإنسانية، وتعزيز المصالحة، والمساءلة عن الانتهاكات، وعودة النازحين، واستعادة الخدمات، وتفعيل المؤسسات المحلية ضمن إطار وحدة سوريا وسيادتها.

وفي ظل استمرار التوتر، فإن المرحلة المقبلة قد تكشف ما إذا كان التحول في الخطاب الأمريكي سيترجم إلى خطوات سياسية وعملية جديدة على الأرض.

وبحسب قراءة علي عيد، فإن الرسالة الأمريكية الأبرز في المرحلة الحالية تتمثل في رفض استمرار الفراغ الأمني أو تكريس واقع مسلح خارج مؤسسات الدولة، مقابل الدفع نحو حوكمة أكثر فاعلية، وضمان حقوق المواطنين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، والحفاظ على السويداء ضمن إطار الدولة السورية الواحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى