12:00 PM
صحة
أخر الأخبار

الفول السوداني وصحة الدماغ.. ماذا يحدث للذاكرة عند تناوله بانتظام؟

قد لا يتطلب الاهتمام بصحة الدماغ دائماً تغييرات غذائية معقدة، فبعض الأطعمة اليومية قد تحمل عناصر غذائية تؤثر في وظائف الجسم بطرق لا تزال موضع دراسة علمية. ومن بين هذه الأطعمة يبرز الفول السوداني، الذي جذب اهتمام الباحثين بعد تجربة علمية هولندية رصدت تغيرات محتملة في استجابة الدماغ للإنسولين لدى كبار السن بعد تناوله بانتظام.

وتعيد هذه النتائج تسليط الضوء على العلاقة بين التغذية وصحة الجهاز العصبي، خصوصاً مع تزايد الأبحاث التي تبحث في دور النظام الغذائي في الحفاظ على الذاكرة والقدرات الإدراكية مع التقدم في العمر. لكن هل يمكن أن يساعد الفول السوداني فعلاً في حماية الدماغ من التدهور؟ وما الذي يجعل هذه الحبوب محط اهتمام الباحثين؟

تجربة علمية تكشف تأثيراً محتملاً في الدماغ

أجرى باحثون من المركز الطبي بجامعة ماستريخت في هولندا دراسة تناولت تأثير استهلاك الفول السوداني في استجابة الدماغ للإنسولين لدى كبار السن، ونُشرت نتائجها في مجلة «فود آند فانكشن».

وشارك في التجربة 31 شخصاً، بلغ متوسط أعمارهم نحو 67 عاماً، حيث تناول المشاركون 60 غراماً من الفول السوداني المحمص يومياً مع قشرته الرقيقة ومن دون إضافة الملح، على مدار 16 أسبوعاً.

واعتمد الباحثون نظاماً تبادلياً، إذ امتنع المشاركون عن تناول الفول السوداني خلال فترة أخرى مماثلة، مع وجود استراحة مدتها ثمانية أسابيع بين الفترتين، ما أتاح مقارنة النتائج لدى الأشخاص أنفسهم قبل التدخل الغذائي وبعده.

وأظهرت القياسات تغيراً في استجابة إحدى مناطق النصف الأيمن من الدماغ للإنسولين بعد فترة تناول الفول السوداني، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشراً يستحق مزيداً من الدراسة لفهم تأثير بعض المكونات الغذائية في وظائف الدماغ.

لماذا يهتم العلماء بعلاقة الإنسولين بالدماغ؟

يرتبط الإنسولين عادة بتنظيم مستويات السكر في الدم، لكن دوره لا يقتصر على ذلك، إذ يمتد تأثيره إلى الجهاز العصبي، حيث يشارك في عمليات مرتبطة بالتواصل بين الخلايا العصبية والتمثيل الغذائي داخل الدماغ.

وتشير أبحاث علمية إلى أن استجابة الدماغ للإنسولين قد تكون مرتبطة بعمليات التعلم والذاكرة وتنظيم بعض الوظائف الإدراكية.

كما يدرس العلماء العلاقة بين اضطراب إشارات الإنسولين في الدماغ وبعض التغيرات العصبية التي تظهر مع التقدم في العمر، بما فيها التغيرات المرتبطة بالأمراض التنكسية العصبية.

ومع ذلك، لا يعني رصد تغير في استجابة الدماغ للإنسولين أن الشخص أصبح محمياً من الزهايمر، فهذه العلاقة معقدة وتتداخل فيها عوامل وراثية وصحية وبيئية متعددة.

ماذا يحتوي الفول السوداني ويجعله مهماً للصحة؟

لا تقتصر أهمية الفول السوداني على احتوائه على البروتين، بل يتميز بتركيب غذائي يجمع بين الدهون غير المشبعة والألياف والفيتامينات والمعادن ومركبات نباتية مختلفة.

ومن أبرز العناصر الموجودة فيه:

الدهون غير المشبعة: يحتوي الفول السوداني على دهون أحادية ومتعددة غير مشبعة، ويمكن أن يكون بديلاً مناسباً للأطعمة الغنية بالدهون المشبعة عند تناوله ضمن نظام غذائي متوازن.

البروتين النباتي: يوفر كمية جيدة من البروتين الذي يحتاجه الجسم لبناء الأنسجة والمحافظة عليها، كما يساعد على الشعور بالشبع.

فيتامين هـ: يُعد من مضادات الأكسدة التي تساهم في حماية الخلايا من الأضرار المرتبطة بالإجهاد التأكسدي.

المغنيسيوم: يدخل في عدد كبير من العمليات الحيوية، بما فيها وظائف العضلات والأعصاب وإنتاج الطاقة.

النياسين: أحد فيتامينات مجموعة ب، وله دور في عمليات إنتاج الطاقة والمحافظة على الوظائف الطبيعية للخلايا.

البوليفينولات: يحتوي الفول السوداني على مركبات نباتية ذات خصائص مضادة للأكسدة، وتوجد نسبة مهمة منها في القشرة الرقيقة المحيطة بالحبة.

هل يمكن أن يساعد الفول السوداني في تحسين الذاكرة؟

تزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى دراسة سابقة أجراها الفريق البحثي نفسه عام 2025، ورصدت تحسناً في الذاكرة اللفظية وتدفق الدم إلى الدماغ بعد اتباع التدخل الغذائي القائم على تناول الفول السوداني.

وجاءت الدراسة الأحدث لتبحث في أحد التفسيرات المحتملة لهذه النتائج، من خلال قياس استجابة الدماغ للإنسولين.

لكن من المهم التمييز بين تحسن بعض المؤشرات التي تُقاس خلال التجارب العلمية وبين إثبات الوقاية من الأمراض. فالذاكرة تتأثر بعوامل كثيرة، منها جودة النوم والنشاط البدني والحالة الصحية والتغذية والتقدم في العمر.

لذلك لا يمكن اعتبار تناول الفول السوداني علاجاً لضعف الذاكرة أو وسيلة مؤكدة لمنع الإصابة بمرض الزهايمر.

هل تساعد المكسرات عموماً في الحفاظ على صحة الدماغ؟

لا يقتصر الاهتمام العلمي على الفول السوداني وحده، إذ تناولت دراسات غذائية متعددة العلاقة بين استهلاك المكسرات وصحة القلب والأوعية الدموية والوظائف الإدراكية.

وتكمن أهمية هذا الجانب في أن صحة الأوعية الدموية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بصحة الدماغ، فالتروية الدموية الجيدة تساعد على إيصال الأكسجين والعناصر الغذائية التي تحتاج إليها الخلايا العصبية.

وتشير أبحاث حول الأنماط الغذائية الصحية، مثل حمية البحر المتوسط، إلى أهمية تناول المكسرات والبذور والخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ضمن نظام غذائي متوازن.

ولا يعني ذلك أن نوعاً واحداً من الطعام يستطيع حماية الدماغ بمفرده، بل إن التأثير المحتمل يرتبط غالباً بمجمل العادات الغذائية والصحية على المدى الطويل.

ما الكمية المناسبة من الفول السوداني يومياً؟

اختبرت التجربة الهولندية تناول 60 غراماً يومياً، لكن هذه الكمية كانت جزءاً من بروتوكول بحثي محدد، ولا ينبغي اعتبارها جرعة موصى بها لجميع الأشخاص.

ويمكن إدخال الفول السوداني ضمن النظام الغذائي بكميات معتدلة، مع مراعاة الاحتياجات اليومية من السعرات الحرارية وطبيعة النظام الغذائي والحالة الصحية.

ومن الأفضل اختيار الفول السوداني الطبيعي أو المحمص من دون ملح مضاف، وتجنب الأنواع المغطاة بالسكر أو التي تحتوي على كميات كبيرة من الملح والزيوت المضافة.

كما يمكن تناوله مع وجبة الإفطار أو إضافته إلى السلطات والشوفان، بما يوفر تنوعاً غذائياً من دون الحاجة إلى الاعتماد عليه بوصفه غذاءً علاجياً.

من يجب عليه الحذر عند تناول الفول السوداني؟

على الرغم من قيمته الغذائية، لا يناسب الفول السوداني الجميع، ويأتي في مقدمة الحالات التي تستدعي الحذر الأشخاص الذين يعانون من حساسية الفول السوداني، إذ قد تؤدي الحساسية إلى تفاعلات شديدة تصل في بعض الحالات إلى الحساسية المفرطة التي تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً.

كذلك ينبغي الانتباه إلى حجم الحصة المتناولة، لأن الفول السوداني غني بالسعرات الحرارية، وقد يؤدي الإفراط فيه إلى زيادة استهلاك الطاقة اليومية.

ويُفضل أيضاً تخزينه في ظروف مناسبة وجافة، والتخلص من أي كمية تظهر عليها علامات العفن أو التلف، لأن بعض أنواع العفن قد تنتج سموم الأفلاتوكسين الضارة بالصحة.

هل أثبتت الدراسة أن الفول السوداني يقي من الزهايمر؟

الإجابة العلمية حتى الآن هي لا. فالتجربة الهولندية ركزت على استجابة الدماغ للإنسولين، ولم تختبر قدرة الفول السوداني على منع الإصابة بالزهايمر أو الخرف.

كما أن عدد المشاركين كان محدوداً، وامتدت فترة التدخل الغذائي لأسابيع، وهي مدة لا تكفي لتقييم التأثيرات طويلة الأمد في صحة الدماغ أو معدلات الإصابة بالأمراض العصبية.

ولم تسجل الدراسة تغيرات في عدد من المؤشرات الأخرى التي فحصها الباحثون، بما فيها سكر الدم والدهون والالتهاب ومحتوى الدهون في الكبد.

وموّلت مؤسسة «ذا بينت إنستيتيوت فاونديشن» البحث، مع الإشارة إلى أن الجهة الممولة لم تشارك في تصميم الدراسة أو تنفيذها أو تحليل نتائجها أو كتابتها، وفق المعلومات المرافقة للبحث.

الغذاء المتوازن يبقى أساس الحفاظ على الذاكرة

تضيف النتائج الهولندية معلومة جديدة إلى الأبحاث التي تدرس العلاقة بين التغذية ووظائف الدماغ، وتفتح المجال أمام تجارب أوسع لفهم كيفية تأثير الفول السوداني ومكوناته في استجابة الدماغ للإنسولين.

لكن الحفاظ على الذاكرة والقدرات العقلية لا يعتمد على تناول طعام واحد، بل يرتبط بمجموعة من العادات اليومية، من بينها ممارسة النشاط البدني بانتظام، والحصول على نوم كافٍ، وتناول غذاء متنوع، ومتابعة الأمراض المزمنة، إلى جانب تنشيط الدماغ بالقراءة والتعلم والتفاعل الاجتماعي.

وفي انتظار نتائج دراسات أكبر وأطول، يمكن اعتبار الفول السوداني خياراً غذائياً مفيداً ضمن نظام متوازن، وليس وصفة للوقاية من الزهايمر أو علاجاً لمشكلات الذاكرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى