ما الذي حدث في نيبال؟ فيديوهات تكشف الحقيقة والعلماء يوضحون تفاصيل الكارثة

تحولت أجزاء واسعة من منطقة الهيمالايا على الحدود بين نيبال والصين إلى مسرح لكارثة طبيعية واسعة النطاق، بعدما أدى انهيار جليدي صخري هائل إلى دفع كميات ضخمة من المياه والصخور والطين إلى مجاري الأنهار، ما تسبب بفيضانات خاطفة اجتاحت قرى وطرقاً وجسوراً ومنشآت للطاقة، وخلفت مئات القتلى وآلاف المفقودين على جانبي الحدود.
وبحسب أحدث التقارير المتاحة، ارتفعت حصيلة الضحايا في نيبال والصين إلى مئات الأشخاص، فيما لا يزال أكثر من ثلاثة آلاف شخص في عداد المفقودين وفق تحديثات لاحقة، وسط استمرار عمليات البحث والإنقاذ وصعوبة الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً بسبب انهيار الطرق والجسور وتراكم الطين والحطام. (The Guardian)
وكانت الساعات الأولى للكارثة قد حملت روايات متضاربة بشأن سببها، إذ أشارت تقارير أولية إلى احتمال وقوع زلزال بقوة نحو 5 درجات على مقياس ريختر، قبل أن توضح هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أن الإشارة الزلزالية التي سجلت في المنطقة لم تكن ناتجة عن زلزال تقليدي، وإنما عن الانهيار الهائل للكتلة الجليدية والصخرية وتدفق الحطام الذي أعقبه.
وتشير المعطيات الجيولوجية إلى أن جزءاً كبيراً من نهر جليدي انهار من ارتفاع شاهق في جبال الهيمالايا، وسقط على الوادي حاملاً معه كميات هائلة من الصخور والرواسب. وعندما وصلت الكتلة المنهارة إلى مجرى نهر ليندي خولا في منطقة التبت، تسببت في إعاقة تدفق المياه بصورة مؤقتة، قبل أن ينكسر هذا الحاجز الطبيعي وتندفع المياه والحطام بقوة هائلة باتجاه المناطق الواقعة أسفل النهر. (Al Jazeera)
وأدى هذا التسلسل إلى تشكل ما يشبه جداراً ضخماً من المياه والطين والصخور، اندفع عبر الأودية بسرعة كبيرة، قبل أن يصل إلى شبكة الأنهار التي تمر عبر المناطق الحدودية بين الصين ونيبال.
وتعرضت مناطق في مقاطعة راسوا النيبالية، ولا سيما تيمور وسيابرو بيسي، لأضرار بالغة، بعدما اجتاحت السيول المباني والمنازل والمنشآت، قبل أن تتابع طريقها إلى نهر بوتي كوشي ومنه إلى نهر تريشولي.
وكانت سرعة ارتفاع منسوب المياه من أكثر العناصر إثارة للقلق، إذ أظهرت بيانات الرصد أن منسوب نهر تريشولي ارتفع بنحو تسعة أمتار خلال نحو نصف ساعة في إحدى محطات القياس، بينما سجلت محطة أخرى ارتفاعاً يقارب سبعة أمتار خلال الفترة نفسها، وهو ما منح السكان وقتاً محدوداً للغاية للاستجابة والتحرك نحو مناطق أكثر أمناً.
وجرفت المياه معها عشرات المركبات والمنازل والمنشآت، بينما أظهرت مشاهد مصورة حجم قوة التيار، الذي حمل السيارات والأنقاض والأشجار والمواد الإنشائية لمسافات بعيدة.
ولم تقتصر الخسائر على الممتلكات السكنية، إذ تضررت البنية التحتية الحيوية بصورة كبيرة. وجرفت السيول ما لا يقل عن 19 جسراً مخصصاً لحركة المركبات، فيما تضررت أو اختفت أجزاء واسعة من شبكة الطرق، الأمر الذي عزل قرى ومناطق بأكملها وأعاق وصول فرق الإنقاذ والإمدادات الإنسانية. (Al Jazeera)
كما تعرض قطاع الطاقة في نيبال لأضرار كبيرة، إذ تضررت مجموعة من محطات توليد الطاقة الكهرومائية وخطوط نقل الكهرباء والمحطات الفرعية، ما أدى إلى خروج قدرات إنتاجية كبيرة من الخدمة وانقطاع التيار الكهربائي عن مناطق متضررة.
وزادت هذه الأضرار من صعوبة عمليات الإنقاذ، إذ وجدت فرق الطوارئ نفسها أمام شبكة طرق مدمرة، وتضاريس جبلية شديدة الوعورة، ومجاري مائية ما زالت مرتفعة، إضافة إلى طبقات كثيفة من الطين والحطام تغطي المناطق التي اجتاحتها السيول.
ومع اتساع حجم الكارثة، نشرت نيبال آلافاً من عناصر الجيش والشرطة وفرق الإنقاذ، إلى جانب المروحيات ووسائل البحث المتاحة، في محاولة للوصول إلى الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل أو فقدوا الاتصال بذويهم.
وتشير التقارير إلى أن عدداً كبيراً من المفقودين كانوا من الأجانب، وبينهم سياح ومتسلقون وحجاج كانوا في طريقهم إلى مناطق دينية وسياحية في التبت، ولا سيما جبل كايلاش وبحيرة ماناساروفار، بينما كان آخرون في مناطق جبلية نيبالية خلال موسم الرحلات والمهرجانات الدينية. (Al Jazeera)
وفي الجانب الصيني، تضررت منطقة جيرونغ وميناء جيرونغ الحدودي بصورة واسعة، حيث دفنت المياه والطين أجزاء من المنشآت وجرفت الطرق وألحقت أضراراً بالمعابر والبنية التحتية.
وأعلنت السلطات الصينية في مراحل مبكرة من الكارثة عن وفاة أشخاص وفقدان مئات آخرين في مقاطعة جيرونغ، بينهم عدد كبير من الأجانب، قبل أن تتغير أرقام الضحايا والمفقودين مع تقدم عمليات البحث وتحديث البيانات الرسمية.
وأرسلت بكين فرق إنقاذ إضافية إلى المنطقة، مع استخدام معدات متخصصة للبحث والكشف والاتصالات، في محاولة للوصول إلى المناطق التي عزلتها السيول والانهيارات الأرضية.
كما وجه الرئيس الصيني شي جين بينغ تعليمات بتكثيف عمليات البحث عن المفقودين وإجلاء السكان الموجودين في المناطق المعرضة للخطر، مع التشديد على منع وقوع كوارث ثانوية في ظل استمرار المخاطر الجيولوجية والفيضانات المحتملة.
وفي الوقت نفسه، بقيت منطقة الكارثة معرضة لخطر جديد، إذ تشكلت تجمعات مائية خلف حواجز من الحطام في مناطق مرتفعة، ما أثار مخاوف من انهيارها بصورة مفاجئة وإطلاق موجة جديدة من المياه باتجاه المناطق الواقعة أسفل النهر.
وحذرت السلطات السكان القاطنين بالقرب من مجاري الأنهار من الاقتراب من المناطق المنخفضة، فيما استمرت عمليات مراقبة مستويات المياه والتغيرات في الحواجز الطبيعية التي خلفها الانهيار.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة لأن نهر بوتي كوشي يتصل بشبكة نهرية واسعة تمتد جنوباً داخل نيبال قبل أن تصل مياهها في نهاية المطاف إلى الهند عبر نهر غانداك، ما جعل السلطات الهندية تراقب بدورها مستويات المياه وتستعد لاحتمال وصول آثار الفيضانات إلى مناطقها الحدودية. (Al Jazeera)
وأعلنت الهند حالة تأهب في المناطق التي يمكن أن تتأثر بارتفاع مناسيب الأنهار، كما بدأت بإرسال مساعدات إلى نيبال، في وقت أجرت فيه اتصالات سياسية مع الحكومة النيبالية لبحث سبل دعم عمليات الإنقاذ والإغاثة.
وأرسلت نيودلهي طائرة نقل عسكرية محملة بمساعدات إغاثية، شملت مستلزمات الإيواء والبطانيات ومواد النظافة والمصابيح العاملة بالطاقة الشمسية والأدوية، مع استعدادها لإرسال طائرات ومروحيات إضافية عند الحاجة.
وتزامنت الاستجابة الهندية مع جهود دولية متزايدة لدعم نيبال والصين في مواجهة آثار الكارثة، حيث أعلنت الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية ودول عدة تقديم مساعدات مالية وإنسانية، فيما يجري استخدام صور الأقمار الصناعية للمساعدة في تحديد المناطق المتضررة وتوجيه عمليات الإنقاذ. (Al Jazeera)
وتشير طبيعة الكارثة إلى حجم التحديات التي تواجهها المجتمعات المقيمة في مناطق الهيمالايا، حيث تتداخل المخاطر الجيولوجية مع التضاريس الوعرة والأنهار السريعة والأنهار الجليدية المتراجعة.
ولا يزال العلماء يدرسون العوامل التي أدت إلى انهيار الكتلة الجليدية والصخرية، ولا يمكن في الوقت الحالي تحميل تغير المناخ مسؤولية مباشرة عن هذا الحدث بعينه، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة وتسارع ذوبان الجليد في منطقة الهيمالايا يثيران مخاوف متزايدة بشأن استقرار المنحدرات والأنهار الجليدية وتكون البحيرات الجليدية. (Al Jazeera)
وتكتسب هذه المخاطر أهمية أكبر في ظل تكرار الفيضانات المفاجئة والانهيارات الجليدية في مناطق مختلفة من الهيمالايا خلال السنوات الأخيرة، حيث يمكن لانهيار جليدي أو صخري واحد أن يحول مجرى نهرياً إلى قوة مدمرة تمتد لمسافات طويلة.
وبالنسبة للناجين، لم تنتهِ الكارثة بمجرد انحسار الموجة الأولى، إذ تواجه آلاف الأسر الآن مهمة العثور على أفراد مفقودين وتحديد مصيرهم، فضلاً عن تأمين الغذاء والمياه والمأوى والكهرباء، وإعادة فتح الطرق التي تربط المناطق الجبلية بالمدن والمراكز الطبية.
كما تمثل عمليات انتشال الجثامين والتعرف على الضحايا تحدياً إضافياً، خصوصاً مع انجراف بعض الجثث لمسافات بعيدة عبر مجاري الأنهار، ما دفع السلطات إلى الاستعانة بإجراءات تحديد الهوية والفحوص الجينية عند الحاجة.
وفي ظل استمرار عمليات البحث، حذرت السلطات من أن حصيلة الضحايا قد ترتفع مع وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق التي بقيت معزولة خلال الأيام الأولى بسبب انهيار البنية التحتية وسوء الأحوال الجوية.
وتكشف الكارثة، في الوقت نفسه، عن هشاشة البنية التحتية في المناطق الجبلية أمام الأحداث المفاجئة، خصوصاً عندما تتعرض الطرق والجسور ومحطات الطاقة لضربة واحدة متزامنة، الأمر الذي يجعل عمليات الإغاثة أكثر صعوبة ويؤخر وصول المساعدات إلى السكان المحاصرين.
ومع استمرار فرق الإنقاذ في تمشيط الأودية ومجاري الأنهار، تبقى الأنظار معلقة على المناطق المرتفعة التي شهدت الانهيار الأول، وعلى أي تغيرات جديدة في مستويات المياه أو الحواجز الطبيعية التي تشكلت بفعل الصخور والجليد.
وتعد كارثة نيبال والتبت واحدة من أكثر الكوارث الطبيعية دموية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب عدد الضحايا، وإنما أيضاً بسبب اتساع نطاق الدمار الذي امتد عبر الحدود الدولية، وضرب مناطق تعتمد على السياحة والحج والتجارة والطاقة والنقل.
ومع استمرار البحث عن المفقودين وإعادة فتح الطرق وتأمين المناطق المتضررة، يبقى السؤال الأكبر متعلقاً بمدى قدرة السلطات على منع موجة جديدة من الفيضانات في حال انهارت الحواجز الطبيعية التي خلفها الانهيار الجليدي، فيما يواصل سكان المناطق الواقعة على امتداد الأنهار متابعة التحذيرات تحسباً لأي تطور مفاجئ.




