مجلس الشعب الأول بعد سقوط نظام الأسد.. بداية تأسيس الدولة السورية الجديدة

يمثل انعقاد أول جلسة لمجلس الشعب السوري بعد سقوط نظام الأسد محطة مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، ليس لأنه مجرد استحقاق دستوري أو إجراء بروتوكولي، بل لأنه يؤشر إلى انتقال البلاد من مرحلة إسقاط النظام إلى مرحلة بناء الدولة. وبعد أكثر من خمسة عقود من هيمنة الحزب الواحد، وما يزيد على خمسة عشر عاماً من الحرب والانقسام، يجد السوريون أنفسهم أمام فرصة لإعادة إحياء مؤسسة تشريعية يفترض أن تكون معبرة عن إرادة الدولة والمجتمع، لا عن إرادة السلطة وحدها.
مرحلة جديدة في تاريخ سوريا
لم يكن سقوط نظام الأسد نهاية الأزمة السورية، بل كان بداية مرحلة أكثر تعقيداً تتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة من الصفر تقريباً. فالسنوات الماضية خلفت مؤسسات منهكة، واقتصاداً متضرراً، وبنية قانونية تحتاج إلى تحديث شامل ينسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة.
ويأتي انعقاد مجلس الشعب ليكون أحد أهم مؤشرات الانتقال من إدارة المرحلة الانتقالية إلى بناء مؤسسات مستقرة، قادرة على ممارسة صلاحياتها وفق الدستور والقانون، بعيداً عن هيمنة السلطة التنفيذية التي طبعت الحياة السياسية لعقود طويلة.
من التشكيل إلى ممارسة الدور التشريعي
مع افتتاح أولى جلساته، يبدأ مجلس الشعب ممارسة مهامه الدستورية من خلال أداء الأعضاء القسم القانوني، وانتخاب رئيس المجلس وأعضاء المكتب الرئاسي، وتشكيل اللجان المتخصصة التي ستتولى دراسة مشاريع القوانين ومراقبة أداء الحكومة.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوات على الجانب الإجرائي، بل تعكس بداية عمل السلطة التشريعية بوصفها إحدى ركائز الدولة الحديثة، إلى جانب السلطتين التنفيذية والقضائية، بما يعزز مبدأ الفصل بين السلطات الذي يعد أساس أي نظام ديمقراطي مستقر.
مجلس يؤسس للدولة لا للصراعات السياسية
تختلف طبيعة المجلس الحالي عن المجالس السابقة التي كانت تعمل في ظل نظام الحزب الواحد، كما تختلف عن البرلمانات التقليدية في الدول المستقرة.
فالمرحلة الراهنة تفرض على المجلس أدواراً تأسيسية تتجاوز إصدار القوانين اليومية، إذ سيكون مسؤولاً عن بناء البيئة التشريعية التي تحتاجها سوريا خلال مرحلة إعادة الإعمار، وإصلاح الإدارة العامة، وتحديث المنظومة الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
ومن هنا فإن نجاح المجلس لن يقاس فقط بعدد القوانين التي يصدرها، وإنما بمدى قدرته على إنتاج تشريعات تخدم جميع السوريين، بعيداً عن المصالح الضيقة أو الحسابات السياسية.
دروس التاريخ السياسي السوري
التاريخ السوري يقدم دروساً مهمة ينبغي الاستفادة منها خلال هذه المرحلة.
ففي خمسينيات القرن الماضي شهدت البلاد تجربة برلمانية نشطة، لكنها تحولت تدريجياً إلى ساحة للصراعات الحزبية والانقسامات السياسية، ما أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لانقلاب الثامن من آذار عام 1963، الذي أنهى الحياة السياسية التعددية وأدخل البلاد في عقود طويلة من حكم الحزب الواحد.
واليوم تبدو الفرصة سانحة لتجنب تكرار تلك الأخطاء، عبر بناء مجلس يقوم على البرامج والكفاءة والعمل المؤسسي، بدلاً من الاصطفافات الشخصية أو الفئوية.
خطاب الرئيس أحمد الشرع.. رسائل سياسية ومؤسساتية
جاءت كلمة الرئيس أحمد الشرع أمام أعضاء مجلس الشعب لتضع معالم المرحلة المقبلة، حيث أكد أن سوريا تكتب تاريخاً جديداً يعبر عن حضارتها وقيمها وتراثها، داعياً إلى تغليب المسؤولية الوطنية على المصالح الفردية.
وشدد الرئيس على أن المجلس يجب أن يكون منبراً للحق والعدالة، وأن يعمل أعضاؤه على ترسيخ ثقافة الحوار، واحترام المؤسسات، وسيادة القانون، باعتبارها الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
كما دعا إلى جعل الكفاءة معياراً في العمل العام، مؤكداً أن بناء الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وتهيئة بيئة الاستثمار، مسؤوليات مشتركة بين مختلف مؤسسات الدولة.
دلالة غياب المظاهر التقليدية
لفت انتباه كثير من المراقبين أن خطاب الرئيس انتهى دون التصفيق التقليدي الذي كان يرافق كلمات رؤساء النظام السابق داخل البرلمان.
ورأى متابعون أن هذا المشهد يحمل رسالة رمزية تعكس تحولاً في الثقافة السياسية، بحيث يصبح الخطاب الرئاسي وثيقة عمل ومساءلة، لا مناسبة للاحتفاء أو تمجيد الأشخاص، وهو ما يعزز فكرة احترام المؤسسة بدلاً من تقديس الفرد.
تحديات تنتظر المجلس
رغم أهمية الانطلاقة، فإن مجلس الشعب يواجه تحديات كبيرة خلال المرحلة المقبلة، أبرزها:
- إصدار تشريعات تدعم إعادة الإعمار.
- تطوير القوانين الاقتصادية والاستثمارية.
- تعزيز الرقابة على أداء الحكومة.
- تحديث الإدارة العامة ومكافحة الفساد.
- دعم استقلال القضاء وسيادة القانون.
- تهيئة البيئة القانونية لعودة رؤوس الأموال والاستثمارات.
- المساهمة في تعزيز المصالحة الوطنية وترسيخ الاستقرار.
مسؤولية تاريخية
المجلس الجديد لا يمثل مجرد سلطة تشريعية، بل يحمل مسؤولية تاريخية في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وترسيخ مفهوم أن المؤسسات هي الضامن لاستقرار البلاد، وليس الأفراد أو القوى السياسية.
كما أن نجاحه سيشكل رسالة للمجتمع الدولي بأن سوريا تدخل مرحلة جديدة قائمة على بناء الدولة والمؤسسات، بما يفتح الباب أمام توسيع التعاون الدولي، واستقطاب الاستثمارات، ودعم جهود إعادة الإعمار.
خاتمة
يشكل انعقاد أول مجلس شعب بعد سقوط نظام الأسد نقطة تحول في تاريخ سوريا الحديث، فهو يمثل بداية مسار طويل نحو إعادة بناء الدولة على أسس دستورية ومؤسساتية. ويبقى نجاح هذه التجربة مرتبطاً بقدرة المجلس على أداء دوره التشريعي والرقابي بكفاءة، ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، ليكون بالفعل اللبنة الأولى في بناء سوريا الجديدة التي يتطلع إليها السوريون بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام.




