محليات

لبنان أمام مفترق طرق.. أحمد الشرع يدعو إلى الحل السياسي ويحذر من تداعيات الحرب على سوريا والمنطقة

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن استقرار لبنان يشكل أولوية بالنسبة لسوريا، محذراً من أن أي تصعيد عسكري أو اندلاع حرب جديدة على الأراضي اللبنانية ستكون له انعكاسات مباشرة وخطيرة على سوريا والمنطقة بأكملها. وجاءت تصريحات الشرع خلال مقابلة مع قناة “المشهد”، تناول فيها التطورات اللبنانية والإقليمية ورؤية دمشق لمستقبل العلاقات السورية اللبنانية وآفاق الخروج من الأزمة التي يعيشها لبنان.

وأشار الشرع إلى أن الشعبين السوري واللبناني عانيا خلال السنوات الماضية من سياسات النظام السوري السابق، معتبراً أن آثار تلك المرحلة لا تزال حاضرة في المشهد السياسي لدى بعض الأطراف اللبنانية التي ما زالت، بحسب وصفه، أسيرة حسابات الماضي والصراعات القديمة. وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب تجاوز تلك الملفات والانطلاق نحو بناء علاقات جديدة قائمة على المصالح المشتركة والتعاون بين البلدين.

وفي حديثه عن الأزمة اللبنانية الراهنة، أكد الرئيس السوري أن الحل لا يمكن أن يتحقق عبر الحروب أو القصف أو المواجهات العسكرية، مشيراً إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن النزاعات المسلحة لا تنتج حلولاً دائمة، بل تؤدي إلى مزيد من الدمار والانقسام. وأضاف أن الحرب المحتملة في لبنان لن تقتصر آثارها على الداخل اللبناني فقط، بل ستنعكس على سوريا وعلى مجمل الاستقرار الإقليمي.

وكشف الشرع أن سوريا طرحت مقاربة مختلفة خلال النقاشات التي أجرتها مع الرئيس الفرنسي بشأن سبل وقف الحرب في لبنان، موضحاً أن هذه المقاربة تستند إلى دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتعزيز دورها باعتبارها الإطار الجامع لجميع اللبنانيين. كما أشار إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أبدى انزعاجاً من التطورات الجارية في لبنان، معتبراً أن بعض تصريحاته الأخيرة فُسرت بصورة غير دقيقة وأخرجت من سياقها الحقيقي.

وأكد الرئيس السوري أن رؤيته للحل تقوم على إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية وتمكين مؤسساتها من أداء دورها الكامل، إلى جانب البحث عن صيغة سياسية تحظى بقبول مختلف المكونات اللبنانية، مشدداً على أن أي حل لا يحظى بإجماع وطني واسع سيكون معرضاً للفشل.

وفي تقييمه للوضع الداخلي اللبناني، رأى الشرع أن غياب رؤية استراتيجية واضحة واستمرار التعقيدات السياسية يعرقلان الوصول إلى حلول حقيقية للأزمات المتراكمة، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الفرصة ما زالت قائمة أمام اللبنانيين للخروج من أزمتهم عبر تبني أفكار جديدة والابتعاد عن الأساليب التقليدية التي لم تنجح في معالجة المشكلات القائمة.

وتطرق الرئيس السوري إلى دور “حزب الله” في المشهد اللبناني، مؤكداً أن الحزب مطالب بإيجاد موقع له داخل الدولة اللبنانية بما ينسجم مع المصلحة الوطنية اللبنانية. وأضاف أن الأولوية يجب أن تكون للمصالح اللبنانية العليا، معتبراً أن وجود قوى عسكرية خارج إطار سلطة الدولة يشكل عقبة أمام بناء دولة مستقرة وقادرة على التطور.

وأوضح الشرع أن سوريا تنظر إلى أمن لبنان واستقراره باعتبارهما جزءاً من أمنها الوطني، مؤكداً أن الاستقطاب السياسي الحاد داخل الساحة اللبنانية ضيق فرص الوصول إلى تسويات واقعية. وقال إن دمشق تواصل بشكل يومي جهودها للمساعدة في تقريب وجهات النظر وتشجيع الأطراف اللبنانية على البحث عن حلول تنقذ البلاد من أزماتها المتلاحقة.

وفي سياق حديثه عن العلاقة مع “حزب الله”، أكد الرئيس السوري استعداد دمشق للجلوس مع الحزب على طاولة واحدة إذا كان ذلك يساهم في خدمة مصالح سوريا ولبنان وتحقيق الاستقرار. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن هناك جراحاً سورية ما زالت مفتوحة نتيجة الأحداث السابقة التي كان الحزب طرفاً فيها، معتبراً أن معالجة هذه الملفات تتطلب مراجعة جادة للماضي والعمل على بناء مستقبل مختلف.

وشدد الشرع على أهمية حماية جميع المكونات اللبنانية دون استثناء، مؤكداً أن البيئة الشيعية جزء أساسي من النسيج اللبناني وأن المطلوب هو تأمين مستقبلها واستقرارها وليس الزج بها في مغامرات أو صراعات جديدة. وأضاف أن خسارة أي مكون لبناني ستكون خسارة للبلاد وللمنطقة بأسرها.

ورأى الرئيس السوري أن هناك فرصة حقيقية لوقف الحرب وإطلاق توافق سياسي شامل يخرج لبنان من أزمته الحالية، مؤكداً أن البلاد لم تعد تحتمل المزيد من الانقسامات والاستقطابات الحادة. وأضاف أن سوريا عملت خلال الفترة الماضية على تجنيب نفسها ولبنان العديد من الأزمات وتسعى اليوم إلى دعم أي مسار يمكن أن يفضي إلى إنقاذ لبنان واستعادة استقراره.

كما لفت إلى أن سوريا بدأت تتحول إلى عقدة ربط استراتيجية في المنطقة بفضل موقعها الجغرافي ومشاريعها الاقتصادية الجديدة، معتبراً أن لبنان يستطيع الاستفادة من هذه التحولات إذا تمكن من تحقيق الاستقرار السياسي والأمني اللازم.

وفي الجانب الاقتصادي والتنموي، أكد الشرع أن سوريا اختارت بشكل واضح طريق التنمية الاقتصادية وإعادة البناء، وأن هذا الخيار يمثل أولوية استراتيجية لن يتم التراجع عنها. وأضاف أن المؤشرات والأرقام الحالية تظهر تقدماً في هذا المسار رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها البلاد خلال السنوات الماضية.

وعلى الصعيد الإقليمي، أشار الرئيس السوري إلى أن توقف الحرب الإيرانية الإسرائيلية يمثل تطوراً إيجابياً، مؤكداً أن الحروب العبثية لا تنتج منتصرين وأن جميع الأطراف تدفع ثمنها في النهاية. وشدد على أن سوريا لا تسعى إلى الانخراط في أي مواجهة عسكرية جديدة، موضحاً أن الدولة السورية تمتلك ما يكفي من الوضوح والشجاعة للإعلان عن أي موقف يتعلق بالحرب أو السلم بشكل مباشر وصريح.

وتعكس تصريحات الرئيس أحمد الشرع رؤية سورية تقوم على دعم الحلول السياسية في لبنان وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها، مع التأكيد على أن استقرار البلدين مترابط وأن أي اضطراب في أحدهما ستكون له انعكاسات مباشرة على الآخر. كما تؤكد هذه التصريحات أن دمشق تسعى إلى لعب دور داعم للاستقرار الإقليمي في ظل المتغيرات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى