دولي

مشاركة سوريا في مناورات “إيفس-2026” العسكرية بتركيا تعكس توجهاً نحو تطوير الخبرات والانفتاح على الجيوش الدولية

تشهد ولاية إزمير التركية منذ منتصف نيسان الماضي واحدة من أكبر المناورات العسكرية متعددة الجنسيات في المنطقة، مع انطلاق تدريبات “إيفس-2026” التي تنظمها القوات المسلحة التركية بمشاركة قوات تمثل 53 دولة من مختلف أنحاء العالم، وسط حضور واسع للقوات البرية والبحرية والجوية، وتدريبات تحاكي سيناريوهات قتالية معقدة تشمل الإنزال البحري والهجوم الجوي والعمليات الخاصة والحرب الإلكترونية.


وتبرز المشاركة السورية في هذه المناورات كخطوة لافتة على مستوى الانفتاح العسكري والتعاون التدريبي الدولي، في ظل مشاركة وفد عسكري ورسمي من وزارة الدفاع السورية ضمن سلسلة النشاطات والتمارين التي تستمر حتى الحادي والعشرين من أيار الجاري.


وتأتي هذه المشاركة ضمن توجه يهدف إلى الاستفادة من الخبرات العسكرية الدولية الحديثة، والاطلاع على أساليب التدريب والتنظيم القتالي المتطور، خاصة مع مشاركة عشرات الجيوش التي تمتلك تجارب متنوعة في إدارة العمليات المشتركة والتنسيق بين مختلف الصنوف العسكرية.


وبحسب المعطيات المتداولة حول طبيعة المشاركة السورية، فإن الوفد العسكري يضم اختصاصات متعددة تشمل وحدات المدفعية والاستطلاع والمظليين والقنص، إضافة إلى عناصر من إدارة التعاون الدولي والتوجيه المعنوي والإعلام والاتصال، ما يعكس رغبة في الاستفادة من مختلف الجوانب الميدانية والتنظيمية والإعلامية التي تتضمنها المناورات.


وتمنح هذه المشاركة الكوادر السورية فرصة للاحتكاك المباشر بجيوش أجنبية، والتعرف إلى آليات القيادة والسيطرة الحديثة، وأساليب التنسيق العملياتي ضمن بيئة قتالية متعددة المهام، وهو ما يعد من أبرز أهداف التدريبات العسكرية الدولية التي تعتمد على تبادل الخبرات ورفع مستوى الجاهزية والاحتراف.


كما يشارك وفد رسمي سوري برئاسة رئيس هيئة الأركان العامة في حضور المناورات الختامية التي تمتد ليومين، حيث تتضمن عروضاً عسكرية موسعة وتمارين تحاكي عمليات قتالية مشتركة تنفذها القوات البرية والجوية والبحرية، إلى جانب عمليات للقوات الخاصة ووحدات الإنزال.


وتشير تقديرات عسكرية إلى أن أهمية هذه المشاركة لا تقتصر فقط على الجانب التدريبي، بل تمتد إلى تعزيز العلاقات المهنية مع الجيوش المشاركة، والانفتاح على أساليب جديدة في إدارة المعارك الحديثة، خصوصاً مع التطور المتسارع في أنظمة الحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة وأنظمة القيادة والسيطرة.


وتعد مناورات “إيفس” من أبرز التدريبات العسكرية التي تنظمها تركيا بشكل دوري كل عامين في منطقة سفريهيسار التابعة لولاية إزمير، حيث تركز على العمليات البرمائية والإنزال البحري والهجوم الجوي والدعم الناري المشترك، بمشاركة آلاف العسكريين من دول مختلفة.


وتشمل التدريبات تنفيذ عمليات اقتحام وإنزال وتحركات قتالية داخل الأراضي، إضافة إلى مهام استطلاع ومراقبة ودعم جوي وبحري، فضلاً عن استخدام الذخيرة الحية في بعض السيناريوهات التي تحاكي ظروف القتال عالي الشدة.


وشهدت نسخة “إيفس-2026” حضوراً لافتاً لشركات الصناعات الدفاعية التركية، وعلى رأسها شركة “أسيلسان” التي عرضت أكثر من ثلاثين نظاماً عسكرياً متطوراً، من بينها أنظمة دفاع جوي ورادارات متقدمة ومنظومات حرب إلكترونية وطائرات مسيّرة هجومية.


ومن أبرز الأنظمة التي جرى عرضها خلال المناورات نظام إدارة المعارك “كوكاتيبي”، الذي يوفر صورة عملياتية مباشرة وموحدة لمراكز القيادة والسيطرة، ويسمح بإدارة العمليات بشكل متكامل بين مختلف الوحدات العسكرية.


كما عرضت الشركة أنظمة دفاع جوي مثل “كوركوت 35” و”كوركوت 25” و”كيليتش”، إلى جانب طائرة “توفان” الانتحارية المسيّرة، وأنظمة رصد للطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، فضلاً عن تقنيات متطورة للحرب الإلكترونية والدعم الإلكتروني الأرضي.


وبحسب مصادر عسكرية، فقد حظيت هذه التقنيات باهتمام واسع من الوفود الأجنبية المشاركة، خاصة مع توسع حضور الصناعات الدفاعية التركية في الأسواق العالمية خلال السنوات الأخيرة، وارتفاع مستوى الاعتماد على الأنظمة المحلية في الجيش التركي.


وتظهر الأرقام المتعلقة بمناورات “إيفس” حجم التوسع الدولي الكبير الذي شهدته خلال السنوات الماضية، إذ ارتفع عدد الدول المشاركة من 8 دول فقط عام 2016 إلى 20 دولة في نسخة 2018، ثم قرابة 30 دولة عام 2020، و37 دولة عام 2022، وصولاً إلى 45 دولة في نسخة “إيفس-2024” التي شارك فيها أكثر من 11 ألف عسكري.


أما نسخة هذا العام، فقد سجلت مشاركة 53 دولة، ما يجعلها واحدة من أوسع المناورات العسكرية متعددة الجنسيات في المنطقة، ويعكس تنامي الاهتمام الدولي بالتعاون العسكري المشترك وتبادل الخبرات العملياتية.


وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أكد خلال النسخ السابقة من المناورات أن هذه التدريبات لا تستهدف أي دولة بعينها، وإنما تهدف إلى رفع الجاهزية العسكرية وتعزيز جهود حفظ السلام، إضافة إلى اختبار الأنظمة الدفاعية والأسلحة الجديدة ضمن بيئة عملياتية حقيقية.


ويؤكد المحللين السياسين أن مشاركة سوريا في “إيفس-2026” تحمل أبعاداً تتجاوز الجانب التدريبي المباشر، إذ تعكس سعياً للاستفادة من التجارب العسكرية الحديثة، والانفتاح على بيئات تدريبية متعددة، إلى جانب تعزيز حضور الجيش السوري في الفعاليات العسكرية الدولية بعد سنوات طويلة من الحرب والتحديات الأمنية.


كما يعتبر بعض المتابعين أن هذه الخطوة قد تسهم مستقبلاً في تطوير برامج التدريب والتأهيل داخل المؤسسة العسكرية السورية، خاصة في المجالات المرتبطة بالتنسيق المشترك واستخدام التقنيات الحديثة وإدارة العمليات متعددة الصنوف، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم في أساليب القتال والتكنولوجيا العسكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى