U3F1ZWV6ZTMwMDMxMjcyMzQ2MzYwX0ZyZWUxODk0NjMyMzQyNjAxMw==

سبلان دمشق.. ذاكرة الماء التي تتآكل بصمت

قلّما تخلو حارة دمشقية من سبيل ماء، ذلك الشاهد الصامت على روح المدينة وأخلاق أهلها. كان السبيل يُنشأ وفاءً لروح غائب أو صدقة جارية، فيُوضع عند مدخل بيت، أو في سوق، أو على ناصية شارع، ليمنح العابرين جرعة ماء وطمأنينة. ولم يكن مجرد مصدر للشرب، بل قطعة فنية تحمل ملامح العمارة الدمشقية، محفورة على رخامها الزخارف والآيات والعبارات التي تختصر تاريخ المكان ووجدانه.

غير أن هذه الصورة بدأت تتلاشى خلال السنوات الأخيرة. فمعظم سبلان المياه باتت اليوم خارج الخدمة، مهملة أو مشوّهة، بعدما طالها سوء الاستخدام والعبث، وتحولت من معالم تراثية إلى هياكل صامتة مهددة بالاندثار. رخام مكسور، صنابير مفقودة، وكتابات عشوائية غطّت ما كان يوماً تحفاً عمرانية صغيرة.

تشير أرقام متداولة إلى أن دمشق كانت تضم في مطلع القرن العشرين أكثر من مئتي سبيل ماء تاريخي، لم يبقَ منها اليوم سوى نحو خمسة وثلاثين، لا يعمل فعلياً منها إلا عدد محدود وبشكل متقطع. أرقام لا تعكس فقط تراجعاً خدمياً، بل تنذر بخسارة ثقافية تمس أحد رموز الهوية الدمشقية.

عادة كانت جزءاً من الحياة

يستعيد كثير من الدمشقيين ذكريات زمن لم يكن فيه العطش هاجساً. فوفرة السبلان ومياهها العذبة كانت تجعل الخروج من المنزل أمراً بسيطاً، بلا حاجة لحمل زجاجة ماء. اليوم تغيّر المشهد؛ بات الناس أكثر حرصاً، لا لندرة الماء فقط، بل لغياب تلك العادة التي شكّلت جزءاً من ثقافة المدينة اليومية.

في الأسواق القديمة، يروي أصحاب المحال قصصاً متشابهة عن التخريب والإهمال. أطفال يعبثون دون إدراك لقيمة المكان، وشبان يسيئون الاستخدام، وصولاً إلى سرقة الأكواب أو كسر الصنابير. ومع تكرار هذه المظاهر، فضّل بعض القائمين على السبل قطع المياه عنها، حفاظاً على ما تبقى منها، وإن كان ذلك يعني إطفاء روحها.

إساءة استخدام لا تقل خطورة

لم تقتصر المشكلة على التخريب، بل تعدّتها إلى الاستخدام الجائر. فبعض الناس اعتادوا تعبئة عبوات كبيرة من السبلان ونقلها إلى أماكن أخرى، في استنزاف واضح لمورد خُصص أصلاً للعابرين. ومع ضعف الرقابة وشح المياه، أصبحت هذه التصرفات سبباً إضافياً في توقف الكثير من السبلان عن العمل.

ويزيد التقنين المائي من تعقيد المشهد، إذ تصل المياه إلى بعض السبلان في ساعات متأخرة من الليل أو لفترات قصيرة، ما يجعل الاستفادة منها محدودة، ويحوّل وجودها إلى حالة رمزية أكثر منها عملية.

قيمة فنية وهوية مهددة

من منظور تراثي، يؤكد باحثون في العمارة والتاريخ أن سبلان المياه في دمشق ليست ظاهرة عابرة، بل تعود إلى قرون طويلة، وارتبطت بأسماء ومصطلحات مختلفة، وشكّلت جزءاً من النسيج الاجتماعي والعمراني للمدينة منذ العصور الوسطى. وقد انعكس الغنى الثقافي لدمشق في تفاصيل هذه السبلان، من الزخارف الهندسية إلى الخط العربي والآيات القرآنية المنقوشة بعناية.

ويرى المختصون أن تراجع الاهتمام بهذه المعالم يعود إلى عوامل متعددة، في مقدمتها شح المياه وتراجع الموارد الطبيعية، إضافة إلى غياب مشاريع جادة لإعادة التأهيل والترميم. ومع تحول السبلان إلى عناصر مهملة، فقدت وظيفتها الجمالية والإنسانية معاً.

دعوة لإحياء الذاكرة

إعادة الاعتبار لسبلان دمشق ليست مسألة خدمية فحسب، بل فعل ثقافي يحفظ ذاكرة المدينة ويصون أحد ملامحها الأصيلة. فترميم هذه المعالم وإنعاشها يعني إعادة وصل الحاضر بالماضي، ومنح دمشق جزءاً من روحها التي ارتبطت بالماء، بالعطاء، وبالخير الجاري في طرقاتها.

في مدينة عُرفت عبر تاريخها بكرمها وجمالها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نترك سبلانها تندثر، أم نعيد لها الحياة لتبقى شاهدة على هوية لا يجب أن تُنسى؟

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة