براك يبلغ المالكي ضرورة سحب ترشحه لرئاسة الحكومة العراقية

التقى المبعوث الأميركي توم براك، الجمعة، رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي في العاصمة العراقية بغداد، في لقاء سياسي حساس يأتي في ظل معارضة الولايات المتحدة الأمريكية ترشح المالكي لرئاسة الحكومة العراقية المقبلة. وبحسب ما أفادت به مصادر مطلعة، فإن براك أبلغ المالكي بشكل مباشر بضرورة سحب ترشيحه، في خطوة تعكس مستوى القلق الأميركي من عودته إلى رئاسة الوزراء، وسط مشهد سياسي عراقي معقد تتداخل فيه الحسابات الداخلية بالتوازنات الإقليمية والدولية.
وأوضحت المصادر أن المبعوث الأميركي شدد خلال لقاءاته في بغداد على أن موقف واشنطن من ترشيح المالكي لا ينطلق من اعتبارات شخصية، إذ أبلغ رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني بأن الولايات المتحدة لا تحمل مشكلة شخصية مع المالكي بقدر ما تنظر إلى المرحلة المقبلة بوصفها مرحلة دقيقة تتطلب توافقات أوسع. كما بحث السوداني وبراك تطورات الأوضاع في المنطقة وسبل تجنيب العراق أي تداعيات محتملة للتصعيد الإقليمي، في إشارة إلى المخاوف من انعكاس التوترات بين واشنطن وطهران على الداخل العراقي.
وفي سياق متصل، التقى براك رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان في بغداد، حيث ناقش الجانبان دور المؤسسة القضائية في استكمال الاستحقاقات الدستورية خلال المرحلة المقبلة، لا سيما ما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة الجديدة. وأكد زيدان، بحسب المصادر، أن القضاء العراقي شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة احترام التوقيتات الدستورية وعدم تجاوزها، باعتبارها الضامن الأساسي لاستقرار العملية السياسية ومنع الانزلاق نحو أزمات دستورية جديدة.
في المقابل، أبدى المالكي تمسكاً واضحاً بترشحه، رافضاً الضغوط الأميركية ومؤكداً أنه لن يسحب اسمه من السباق. وفي تصريحات سابقة لوكالة فرانس برس، قال إنه لا ينوي الانسحاب “أبداً”، مشدداً على أن احترامه للدولة التي ينتمي إليها ولسيادتها وإرادتها يمنعه من الاستجابة لأي دعوات خارجية تطالبه بالتراجع. واعتبر أن من حق القوى السياسية العراقية اختيار مرشحها بحرية، مضيفاً أنه ليس من حق أي جهة خارجية أن تملي على العراقيين من ينتخبون ومن لا ينتخبون.
كما أشار المالكي إلى أن “الإطار التنسيقي”، الذي يُعد الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي ويضم أحزاباً شيعية بارزة، معظمها قريب من إيران، قد اتفق على ترشيحه، ما يمنحه، بحسب رأيه، شرعية سياسية داخلية. وأكد أنه سيبقى في السباق “إلى النهاية”، في موقف يعكس إصراراً على خوض المواجهة السياسية رغم الضغوط الخارجية. وفي الوقت ذاته، شدد المالكي على تمسكه بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلب تتقاطع فيه رؤيته مع الموقف الأميركي، معترفاً بوجود ضغوط أميركية وصلت إليه عبر رسائل متعددة تناولت قضايا تتعلق بإدارة الدولة.
وتأتي هذه التطورات في ظل تحذيرات أميركية متكررة بشأن مسار تشكيل الحكومة العراقية، حيث لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في وقت سابق بإمكانية وقف المساعدات الأميركية لبغداد في حال الإصرار على اختيار المالكي رئيساً للحكومة. في المقابل، أكدت السلطات العراقية مراراً أن تشكيل الحكومة شأن سيادي داخلي، وأن القرار النهائي يعود للقوى السياسية المنتخبة، وليس لأي طرف خارجي.
ويحمل ترشح المالكي أبعاداً سياسية وتاريخية معقدة، إذ سبق له أن تولى رئاسة الوزراء بين عامي 2006 و2014، خلال مرحلتين شهدتا تحولات مفصلية في تاريخ العراق الحديث، من بينها انسحاب القوات الأميركية وتصاعد العنف الطائفي ثم سيطرة تنظيم “داعش” على مساحات واسعة من البلاد. كما شهدت ولايته الثانية فتوراً واضحاً في علاقاته مع واشنطن، بالتزامن مع تنامي علاقاته بطهران، وهو ما جعل عودته إلى رئاسة الحكومة موضع جدل داخلي وخارجي على حد سواء.
وبين تمسك المالكي بترشحه، وتحفظ واشنطن، وموقف الإطار التنسيقي الداعم له، يقف العراق أمام اختبار سياسي جديد، تتقاطع فيه الحسابات السيادية مع الضغوط الدولية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استقرار سياسي واقتصادي لمواجهة التحديات الداخلية والإقليمية المتزايدة.





