محليات

جدل قانوني حول تعيين مدير هيئة الثروة السمكية في سوريا.. هل تجاوزت وزارة الزراعة صلاحياتها؟

أثار قرار وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي في سوريا بتكليف مدير جديد للهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية موجة واسعة من الجدل القانوني والإداري، بعد اعتراض الهيئة على آلية إصدار القرار، مؤكدة أن تعيين مديرها العام أو إعفاءه يتم حصراً بمرسوم يصدر عن رئيس الجمهورية وفق أحكام القانون رقم 11 لعام 2021. وبينما تتمسك الوزارة بقرارها، يرى قانونيون أن القضية تطرح تساؤلات جوهرية حول حدود الصلاحيات الإدارية وآليات تطبيق القانون داخل مؤسسات الدولة.

قرار وزارة الزراعة يشعل الخلاف

بدأت القضية عقب إعلان وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي تكليف الدكتور الحبيب محمد سعيد العبدالله مديراً للهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية، ونشرت الوزارة سيرته الذاتية عبر منصاتها الرسمية، دون إصدار توضيح يتضمن الأساس القانوني للقرار أو الإعلان عن إنهاء تكليف المدير الحالي.

وأثار الإعلان ردود فعل واسعة، خصوصاً بعد أن اعتبرت الهيئة أن الإجراء المتخذ لا ينسجم مع النصوص القانونية التي تنظم آلية تعيين مديرها العام، الأمر الذي فتح باب النقاش حول مدى قانونية القرار وصحة الإجراءات المتبعة.

الهيئة: احترام القانون أساس بناء المؤسسات

في بيان توضيحي، أكدت الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية أنها لا تعترض على أي شخصية يتم اختيارها لإدارة الهيئة، مشددة على أن المناصب العامة هي مسؤولية لخدمة المصلحة العامة وليست امتيازاً شخصياً.

وأوضحت الهيئة أن اعتراضها ينحصر في الجهة المخولة بإصدار قرار التعيين أو الإعفاء، مشيرة إلى أن المادة الثامنة من القانون رقم 11 لعام 2021 تنص بوضوح على أن تعيين المدير العام يتم بمرسوم يصدر عن رئيس الجمهورية.

وأضافت أن احترام الاختصاصات القانونية يمثل ركناً أساسياً في ترسيخ دولة المؤسسات، وأن أي إجراء يتعلق بإدارة الهيئة يجب أن يصدر وفق الأصول القانونية المعتمدة.

باحث قانوني يشكك في صلاحية الوزير

من جانبه، اعتبر الباحث السوري عمر إدلبي أن وزير الزراعة لا يمتلك، من الناحية القانونية، صلاحية إعفاء مدير الهيئة العامة للثروة السمكية أو تعيين مدير جديد بصورة مباشرة.

وأوضح أن القانون يمنح الوزير حق اقتراح التعيين أو الإعفاء فقط، بينما يبقى إصدار القرار النهائي من اختصاص رئيس الجمهورية عبر مرسوم رسمي.

وأشار إلى أن مخالفة هذا التسلسل القانوني قد تندرج ضمن ما يعرف في القانون الإداري بـ”عيب عدم الاختصاص الجسيم”، وهو ما قد يؤدي إلى بطلان القرار وعدم ترتب أي آثار قانونية عليه إذا ثبتت مخالفته للنصوص النافذة.

انتقادات لآلية اعتراض الهيئة

ورغم تأييده لوجهة النظر القانونية المتعلقة بالاختصاص، انتقد إدلبي أسلوب الهيئة في التعامل مع القرار، معتبراً أن إصدار بيان إعلامي لم يكن المسار القانوني الأمثل.

وبيّن أن الطريق الصحيح يتمثل في اللجوء إلى القضاء الإداري عبر إقامة دعوى لإلغاء القرار، مع طلب وقف تنفيذه بشكل مستعجل إلى حين الفصل في النزاع، بما يضمن معالجة الخلاف ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية.

وأضاف أن ما حدث يعكس وجود خلل في فهم الإجراءات الإدارية لدى الطرفين، داعياً إلى الالتزام بالقنوات القانونية عند اتخاذ القرارات أو الاعتراض عليها.

السيرة المهنية للمدير الحالي

بالتزامن مع بيانها، نشرت الهيئة السيرة المهنية للمدير الحالي إياد خضرو، مشيرة إلى أنه يمتلك خبرة إدارية ومالية واسعة إلى جانب خبرة متخصصة في قطاع الاستزراع السمكي.

وأوضحت أن خضرو شغل عدة مناصب في الإدارة الاقتصادية والمالية، وأسهم منذ عام 2015 في إطلاق مشاريع للاستزراع السمكي، كان من أبرزها إنشاء مزارع أسماك مكثفة ومشاريع للأقفاص العائمة، إضافة إلى تطوير صناعة الأعلاف السمكية وتحسين كفاءة الإنتاج، معتبرة أن خبراته تؤهله للاستمرار في إدارة القطاع.

من هو المدير الجديد؟

في المقابل، أكدت وزارة الزراعة أن الدكتور الحبيب محمد سعيد العبدالله يمتلك خبرة تتجاوز خمسة عشر عاماً في مجالات الاستزراع السمكي والزراعة المائية وإدارة المشاريع الزراعية.

وبحسب الوزارة، حصل العبدالله على درجة الدكتوراه في الاستزراع السمكي من جامعة رجب طيب أردوغان في تركيا، كما عمل مستشاراً وخبيراً في مشاريع زراعية واستثمارية في عدد من دول المنطقة، بينها تركيا والسعودية والإمارات والعراق وتونس وموريتانيا.

وأضافت أن خبراته تشمل إعداد دراسات الجدوى، وتصميم مشاريع الاستزراع السمكي، وتطوير أنظمة الإنتاج المستدام، والإشراف على إنشاء المفاقس السمكية وإدارة برامج التغذية وجودة المياه، وهو ما اعتبرته الوزارة مؤهلات مناسبة لتطوير قطاع الثروة السمكية في سوريا.

مستقبل الهيئة بانتظار الحسم الرسمي

حتى الآن، لم تصدر وزارة الزراعة توضيحاً رسمياً إضافياً بشأن الأساس القانوني الذي استندت إليه في قرار التكليف، كما لم يُعلن عن صدور مرسوم رئاسي يقضي بتعيين مدير جديد أو إعفاء المدير الحالي.

وبذلك، يبقى ملف إدارة الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية مفتوحاً، في انتظار حسم رسمي يوضح الوضع القانوني للقرار، ويحدد الجهة المخولة بإدارة الهيئة وفق أحكام القانون النافذ، في قضية أعادت إلى الواجهة أهمية الالتزام بمبدأ الاختصاص واحترام الإجراءات القانونية في عمل مؤسسات الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى